ويشهد له ما ثبت في " الصحيحين " عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: " ما نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ ومَا أمَرْتُكُم بِهِ فأتُوا مِنْه ما اسْتَطَعْتُمْ، فَإنَّما أهْلَكَ: مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهمْ واختلافُهُم على أنْبِيَائِهِمْ " (١).
وهذا مِن جملةِ ما سَكَتَ الله عنه ورسولُه، ولم يَحْصُلْ فيه قياسٌ صحيحٌ يقْوَى على تخصيصِ هذه العموماتِ، وَقَدْ أذِنَ رسولُ الله ﷺ لجماعةٍ منْ أصْحَابِهِ بالقضاءِ والفُتيا، وَسَكَتَ عن هذَا ولم يُبَيِّن لهم أنَّه شرطٌ في ذلك.
وقد ثبت بالإجماع أنَّ علينا أن نَقْضِيَ بكتاب اللهِ، ثم بِسُنَّة رسولِ الله ﷺ، وهذه سنةُ رسولِ اللهِ ﷺ دلَّت على أن الله سَكَتَ عن إيجابِ حفظِ أقوالِهِ وأقوالِ رسولِهِ رحمةٌ لنا مِنْ غيرِ نسْيَانِ، فَقَبِلْنَا رحمَة اللهِ تعالى لنا، وَشَكَرْنَا نعمته سبحانَه علينا، ولم نَتعَرَّضْ لِمَا لم نُؤْمرْ به في كتابِ ربِّنا ولا في سُنَّةِ نَبِيِّنا، ولم نَكُنْ مِن الَّذِينَ قَال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (٢) [النساء: ٦٦].
= ٢/ ٣٧٥ وصححه، والبيهقي ١/ ١٢، وقال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٧٥ بعد أن عزاه للبزار: ورجاله ثقات، وفي الباب عن سلمان الفارسي قال: " سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء، فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، وما سكت عنه، فهو مما عفا عنه " وسنده ضعيف. وانظر " مجمع الزوائد " ١/ ١٧١ - ١٧٢.
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧) والنسائي ٥/ ١١٠، وابن ماجة (٢) والبغوي (٩٩) وابن حبان (١٩) بتحقيقنا، والترمذي (٢٦٨١) وأحمد ٢/ ٢٤٧ و٢٥٨ و٤٢٨ و٤٤٧ و٤٤٨ و٤٥٧ و٤٦٧ و٥٠٨ و٥١٧.
(٢) قال أبو جعفر الطبري في " جامع البيان " ٨/ ٥٢٨: يعني -جل ثناؤه- بذلك: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنْزِلَ اليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك صدودًا - ﴿فعلوا ما يوعظون﴾ يعني ما يذكرون به من طاعة الله، والانتهاء الى أمره ﴿لكان خيرًا لهم﴾ في عاجل دنياهم وآجل معادهم، و﴿أشد تثبيتًا﴾: وأثبت لهم في أمورهم =