Carais Bayan
عرائس البيان في حقائق القرآن
من الواجدين والمتحققين بسماع الخطاب من العارفين ، ومن هذا السماع انعزلت أسماع العموم ، قال الله سبحانه : ( إنهم عن السمع لمعزولون. )
قال ابن عطاء : لا يسمعون ولا يفهمون كما أخبر الله عن قوم أنهم ينظرون ولا يرون ، كذلك هؤلاء يسمعون ولا يفهمون ؛ لأنهم ( إنهم عن السمع لمعزولون ) حرموا فهم معاني السماع.
( وأنذر عشيرتك الأقربين (214) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون (216) وتوكل على العزيز الرحيم (217) الذي يراك حين تقوم (218) وتقلبك في الساجدين (219) إنه هو السميع العليم (220) هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم (222) يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (223) والشعراء يتبعهم الغاوون (224) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226))
قوله : ( وأنذر عشيرتك الأقربين (214) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ) (215) بين أن حقيقة العامل ما يكون علي الأقرب والمواساة للأبعد ؛ لأن الأقرب يكون في منازل المهابة والأمر عليه أشد أي : أخبر الأقربين من عظيم جلالي وعزتي وسطوات كبريائي وعظمتي ، فإني أشدد على الأقرب ما أشدد على الأبعد وواس الضعفاء ؛ فإنهم لا يحتملون أثقال حقائق الأمور ليحتملوا بك ما يكلفهم ، وأيضا أي : خوف أهل العناد وراع أهل المراد ، أمر بالتسليط على المنكرين والعاندين ، وأمر بالتواضع وخفض الجناح للمتواضعين والعارفين.
قال سهل : خوف الأقرب منك ، واخفض جناحك للأبعدين ، دلهم علينا بألطف الدلالة ، وأخبرهم إلى جواد كريم.
قال ابن عطاء في قوله : ( واخفض جناحك ): لين جانبك ؛ فإنهم على حد الترسم بالعبادة لا التحقق بها ، والمتوثب على الله أشد من قارئ ألبس قميص النسك.
ثم أعلمه وأمره بالإعراض عن المعاندين بقوله : ( فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ) (216) أي : لا تراع قربتهم منك ، وراع ما أمرناك ، ولا تخف من خذلانهم ، وارجع إلي بنعت تفويض أمرك إلي فذلك قوله : ( وتوكل على العزيز الرحيم ) (217) أي : أقبل على العزيز ليعزك على الكل ويرحمك بمواصلتك وكشف اللقاء لك.
Sayfa 55