630

كونه مؤمنا ، فهل يرضى بذلك في أعماق روحه ، ويراه نفس العدل ، غير متجاوز عنه ، بحجة أن الله سبحانه مالك الملك يفعل في ملكه ما يشاء ، أو أنه يقضي بخلاف ذلك؟

وأما ثانيا : فلا شك أنه سبحانه مالك الملك والملكوت ، يقدر على كل أمر ممكن كما عرفت من غير فرق بين الحسن والقبيح ، فعموم قدرته لكل ممكن مما لا شبهة فيه ، ولكن حكم العقل بأن الفعل الفلاني قبيح لا يصدر عن الحكيم ، ليس تحديدا لملكه وقدرته. وهذا هو المهم في حل عقدة الأشاعرة الذين يزعمون أن قضاء العقل وحكمه في أفعاله سبحانه ، نوع تدخل في شؤون رب العالمين ، ولكن الحق غير ذلك.

توضيحه : إن العقل بفضل التجربة ، أو بفضل البراهين العقلية يكشف عن القوانين السائدة على الطبيعة ، كما يكشف عن القوانين الرياضية ، فلو قال العقل : إن كل زوج ينقسم إلى متساويين ، فهل يحتمل أن العقل فرض حكمه على الطبيعة ، أو يقال إن الطبيعة كانت تحمل ذلك القانون والعقل كشفه وبينه؟ فإذا كان هذا هو الفرق بين فرض الحكم وكشفه في عالم الطبيعة ، فليكن هو الفارق بين إدراكه حسن الفعل وقبحه ، وإن أي فعل يصدر منه تعالى وأي منه لا يصدر ، وبين فرضه الحكم على الله سبحانه فرضا يحدد سعة قدرته وإرادته وفعله. فليس العقل هنا حاكما وفارضا على الله سبحانه بل هو بالنظر إلى الله وصفاته التي منها الحكمة والغنى يكشف عن أن الموصوف بمثل هذه الصفات وخاصة الحكمة ، لا يصدر منه القبيح ، ولا الإخلال بما هو حسن.

وبعبارة أخرى : إن العقل يكشف عن أن المتصف بكل الكمال ، والغني عن كل شيء ، يمتنع أن يصدر منه الفعل القبيح ، لتحقق الصارف عنه وعدم الداعي إليه ، وهذا الامتناع ليس امتناعا ذاتيا حتى لا يقدر على الخلاف ، ولا ينافي كونه تعالى قادرا عليه بالذات ، ولا ينافي اختياره في فعل الحسن وترك القبيح ، فإن الفعل بالاختيار كما أن الترك به أيضا. وهذا معنى ما ذهبت إليه العدلية من أنه يمتنع عليه القبائح ، ولا تهدف به إلى تحديد فعله

Sayfa 279