556

فإذا كان المقصود من المقابل أن الطائفة العاصية تظن وتتوقع أن ينزل بها عذاب يكسر فقارها ، ويقصم ظهرها ، يكون المراد من عدله وقرينه عكسه وضده ، وليس هو إلا أن الطائفة المطيعة تكون مستبشرة برحمته ، ومتوقعة لفضله وكرمه ، لا النظر إلى جماله وذاته وهويته ، وإلا لخرج المقابلان عن التقابل وهو خلف.

وبعبارة أخرى : يجب أن يكون المقابلان بحكم التقابل متحدي المعنى والمفهوم ، ولا يكونا مختلفين في شيء سوى النفي والإثبات ، فلو كان المراد من المقابل الأو ، ل أعني : إلى ربها ناظرة ، هو رؤية جماله سبحانه وذاته ، فيجب أن يكون الجزاء في قرينه ، أعني : تظن أن يفعل بها فاقرة هو حرمان هؤلاء عن الرؤية ، أخذا بحكم التقابل. وبما أن تلك الجملة أعني : القرين الثاني لا تحتمل ذلك المعنى ، أعني : الحرمان من الرؤية ، بل صريحة في انتظار العذاب الفاقر ، يكون ذلك قرينة على المراد من القرين الأول ، هو رجاء رحمته وانتظار فرجه وكرمه.

بيان آخر

إن المراد من « ناظرة » سواء أفسرت بمعنى الانتظار أم النظر المرادف مع الرؤية ، هو توقع المطيعين المتقين الرحمة الإلهية ، في مقابل توقع العصاة عذابه الفاقر ، فإذا كان هو المراد من الآية حسب التقابل ، فلو قلنا بأن لفظة « ناظرة » بمعنى الانتظار تسقط دلالة الآية على الرؤية ولو كانت بمعنى النظر المرادف مع الرؤية فهي كناية عن انتظار الرحمة ، مثلا يقال : فلان ينظر إلى يد فلان ، يراد أنه رجل معدم محتاج ليس عنده شيء ، وإنما يتوقع أن يعطيه ذلك الشخص ، فما أعطاه ملكه ، وما منعه حرم منه ، وهذا مما درج عليه الناس في محاوراتهم العرفية ، إذ يقول إنسان في حق آخر « فلان ينظر إلى الله ثم إليك » فالنظر ، وإن كان هنا بمعنى الرؤية بلا شك ، لكنه كناية عن انتظار فضله سبحانه وكرمه ، كانتظاره بعد الله فضل سيده ، ويفسره في « أقرب الموارد » بقوله « يتوقع فضل الله ثم كرمك » والآية نظير قول القائل :

إني إليك لما وعدت لناظر

نظر الفقير إلى الغني الموسر

Sayfa 205