539

إلى هنا تعرفت على مفاد الآية ، ووقفت على أنها لا تمت إلى ما يدعيه الشيخ بصلة ، وهلم معي ندرس الآيات الباقية :

وأما الآية الثانية ، أعني قوله سبحانه : ( أنبئوني بأسماء هؤلاء ) فليس الأمر فيها للتكليف والبعث نحو المأمور به ، بل للتعجيز ، مثل قوله سبحانه : ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ) (1)

إن لصيغة الأمر معنى واحدا وهو إنشاء الطلب ، لكن الغايات من الإنشاء تختلف حسب اختلاف المقامات ، فتارة تكون الغاية من الإنشاء ، هي بعث المكلف نحو الفعل جدا ، وهذا هو الأمر الحقيقي الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه ، ويشترط فيه القدرة الاستطاعة ، وأخرى تكون الغاية أمورا غيره ، وعند ذلك لا ينتزع منه التكليف الجدي ، وذلك كالتعجيز في الآية السابقة ، وكالتسخير في قوله سبحانه : ( كونوا قردة خاسئين ) (2) والإهانة ، مثل قوله : ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) (3)، أو التمني ، مثل قول امرئ القيس في معلقته :

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي

بصبح وما الإصباح منك بأمثل

إلى غير ذلك من الغايات والحوافز التي تدعو المتكلم إلى التعبير عن مقاصده بصيغة الأمر ، وذلك واضح لمن ألقى السمع وهو شهيد.

وأما الآية الثالثة فليست الدعوة إلى السجود فيها عن جد وإرادة حقيقية ، بل الغاية من الدعوة إيجاده الحسرة في المشركين التاركين للسجود حال استطاعتهم في الدنيا. والآية تريد أن تبين أنهم في أوقات السلامة رفضوا الإطاعة والامتثال ، وعند العجز بعد ما كشف الغطاء عن أعينهم ورأوا العذاب هموا بالسجود ، ولكن أنى لهم ذلك ، وإليك تفسير جمل الآية.

Sayfa 188