482

إن الغزالي من مشاهير الأشاعرة في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس ، وقد اختار في تفسير الكسب نظرية صاحب المنهج ، وقام بتوضيحه بكلام مبسوط نذكره باختصار ، قال : ذهبت المجبرة إلى إنكار قدرة العبد فلزمها إنكار ضرورة التفرقة بين حركة الرعدة ، والحركة الاختيارية ، ولزمها أيضا استحالة تكاليف الشرع. وذهبت المعتزلة إلى إنكار تعلق قدرة الله تعالى بأفعال العباد والحيوانات والملائكة والجن والشياطين ، وزعمت أن جميع ما يصدر منها ، من خلق العباد واختراعهم ، لا بقدرة الله تعالى عليها بنفي ولا إيجاد ، فلزمتها شناعتان عظيمتان :

إحداهما : إنكار ما أطبق عليه السلف من أنه لا خالق إلا الله ، ولا مخترع سواه.

والثانية : نسبة الاختراع والخلق إلى قدرة من لا يعلم ما خلقه ، كأعمال النحل والعنكبوت وغيرهما من الحيوانات التي تقوم بأعاجيب الأعمال وغرائبها ، ثم قال : وإنما الحق إثبات القدرتين على فعل واحد ، والقول بمقدور منسوب إلى قادرين ، فلا يبقى إلا استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد. وهذا إنما يبعد إذا كان تعلق القدرتين على وجه واحد ، فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلقهما فتوارد المتعلقتين على شيء واحد غير محال ، كما نبينه.

ثم إنه حاول بيان تغاير الجهتين ، وحاصل ما أفاد هو : إن الجهة الموجودة في تعلق قدرته سبحانه على الفعل غير الجهة الموجودة في تعلق قدرة العبد. والجهة في الأولى جهة إيجادية تكون نتيجتها وقوع الفعل في الخارج ، وحصوله في العين. والجهة في القدرة الثانية جهة أخرى ، وهي صدور الفعل من الله سبحانه عند حدوث القدرة في العبد. (1)

فلأجل ذلك تسمى الأولى خالقا ومخترعا ، دون الثاني ، فاستعير لها

Sayfa 131