416

* (1)

استدلاله على وجود الصانع سبحانه

قال : الدليل على ذلك أن الإنسان الذي هو في غاية الكمال والتمام ، كان نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم لحما ، ودما ، وعظما ، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال ، لأنا نرا ه في حال كمال قوته وتمام عقل ه لا يقدر أن يحدث لنفسه سمعا ولا بصرا ، ولا أن يخلق لنفسه جارحة ، يدل ذلك على أنه في حال ضعفه ونقصانه عن فعل ذلك أعجز ، ورأيناه طفلا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا ، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال الشباب إلى حال الكبر والهرم ، لأن الإنسان لو جهد أن يزيل عن نفسه الكبر والهرم ويردها إلى حال الشباب لم يمكنه ذلك ، فدل ما وصفناه على أنه ليس هو الذي ينقل نفسه في هذه الأحوال ، وأن له ناقلا نقله من حال إلى حال ودبره على ما هو عليه ، لأنه لا يجوز انتقاله من حال إلى حال بغير ناقل ولا مدبر.

ثم مثل لذلك بتحول القطن إلى الغزل ، إلى الفتل ، إلى الثوب ، فكما هو يحتاج إلى ناسج فكذلك الإنسان ، فلو دل ذلك على وجوده ، كان تحول النطفة علقة ثم مضغة ثم لحما ودما وعظما أعظم في الأعجوبة ، وكان أولى أن يدل على صانع صنع النطفة ونقلها من حال إلى حال ، وقد قال الله تعالى : ( أفرأيتم ما تمنون *ءأنتم تخلفونه أم نحن الخالقون ) (1). وقال سبحانه : ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) (2) فبين لهم عجزهم وفقرهم إلى صانع

Sayfa 65