572

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

- الشُّبْهَةُ السَّابِعَةُ) مَا جَاءَ فِي الحَدِيْثِ مِنْ كَوْنِهِ ﷺ لَا يَمْلِكُ لِأَهْلِهِ وَلِلنَّاسِ شَيْئًا؛ لَا يَعْنِي عَدَمَ نَفْعِهِ لَهُم فِي الآخِرَةِ! لِأَنَّ مَنْ نُفِيَ عَنْهُم النَّفْعُ هُمُ الَّذِيْنَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَصْلًا، فَالمَقْصُوْدُ بِالحَدِيْثِ هُوَ لَا أُغْنِي عَنْكُم مِنَ اللهِ شَيْئًا إِذَا لَمْ تُؤْمِنُوا؛ أَمَّا إِذَا آمَنْتُم فَإِنِّي أُغْنِي عَنْكُم!!
وَالجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوْجُهٍ:
١) أَنَّ هَذَا تَلْفِيْقٌ فِي حَدِيْثِ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتِدْرَاكٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَقُلْهُ ﵊، بَلْ يَبْقَى الحَدِيْثُ عَلَى عُمُوْمِهِ؛ لَا سِيَّمَا وَهُوَ مُؤَكَّدٌ بِقَوْلِهِ - شَيْءٌ - فَهِيَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ العُمُوْمِ تُفِيْدُ عُمُوْمَ عَدَمِ نَفْعِهِ ﷺ لَهُم شَيْئًا مِنْ دُوْنِ إِذْنِ رَبِّهِ. (١)
٢) أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيْئًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (الانْفِطَار:١٩)، وَتَأَمَّلْ كَوْنَ النَّفْسِ فِي الآيَةِ نَكِرَةً فِي المَوْضِعِيْنِ؛ الأَمْرُ الَّذِيْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَيًّا كَانَ الشَّافِعُ؛ وَأَيًّا كَانَ المَشْفُوْعُ فَلَا يَمْلِكُ لَهُ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.
٣) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ بَيَّنَ فِي بَعْضِ أَحَادِيْثِهِ الشَّرِيْفَةِ أَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا إِذَا جَاءُوْهُ بِالمَعَاصِي، كَمَا فِي الحَدِيْثِ (إِنَّ أَوْلِيَائِي يَوْمَ القِيَامَةِ المُتَّقُوْنَ - وَإِنْ كَانَ نَسَبٌ أَقْرَبَ مِنْ نَسَبٍ - فَلَا يَأْتِيْنِي النَّاسُ بِالأَعْمَالِ وَتَأْتُوْنَ بِالدُّنْيَا تَحْمِلُونَهَا عَلَى رِقَابِكُمْ، فَتَقُوْلُوْنَ: يَا مُحَمَّدُ فَأَقُوْلُ: هَكَذَا وَهَكَذَا؛ لَا) وَأَعْرَضَ فِي كِلَا عِطْفَيْهِ) (٢)، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْهُم مِنْ جِهَةِ عِصْيَانِهِم؛ وَلَيْسَ مِنْ جِهَةِ شِرْكِهِم.
وَلَا تَخْفَى عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ الأَحَادِيْثُ الكَثِيْرَةُ المَشْهُوْرَةُ الَّتِيْ تُثْبِتُ دُخُوْلَ كَثِيْرٍ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيْدِ النَّارَ - مِمَّنْ لَهُم مَعَاصٍ لَمْ يَتُوْبُوا مِنْهَا؛ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُم ابْتِدَاءً - ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُخْرَجُوْنَ مِنْهَا بِإِذْنِ اللهِ.
وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيْهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالكَافِرُوْنَ هُمُ الظَّالِمُوْنَ﴾ (البَقَرَة:٢٥٤) (٣)، وَالشَّاهِدُ مِنْهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ أَهْلَ الإِيْمَانِ بِالنَّفَقَةِ مُحَذِّرًا إِيَّاهُم مِنْ إِتْيَانِ يَوْمٍ لَا تَنْفَعُهُم فِيْهِ شَفَاعَةٌ؛ الأَمْرُ الَّذِيْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّفَاعَةَ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ تَحْصِيْلِ الحَاصِلِ لِأَهْلِ المِلَّةِ؛ بَلْ هِيَ مَقْرُوْنَةٌ بِرِضَى الرَّبِّ ﷾ عَنِ المَشْفُوْعِيْنَ وَإِذْنِهِ لِلشَّافِعِيْنَ بِالشَّفَاعَةِ، هَذَا كُلُّهُ عَدَا عَنْ كَوْنِهَا دَرَجَاتٍ فِي حَقِيْقَتِهَا.
٤) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ بَيَّنَ فِي بَعْضِ أَحَادِيْثِهِ الشَّرِيْفَةِ أَنَّ شَفَاعَتَهُ تُنَالُ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ - وَلَيْسَ بِالدَّعَوَاتِ الفَارِغَةِ مِنَ المَضْمُوْنِ - وَأَهَمُّ هَذِهِ الأَعْمَالِ التَّوْحِيْدُ، كَمَا فِي صَحِيْحِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ (قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ: (لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الحَدِيْثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ - لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيْثِ -، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ». (٤)
وَتَأَمَّلِ الحَدِيْثَ عَنْ رَبِيْعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ؛ قَالَ: (كُنْتُ أَبِيْتُ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوْئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: (سَلْ). فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ. قَالَ: (أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ). قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: (فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُوْدِ). (٥)

(١) وَلَا يَخْفَى إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الشَّفَاعَةَ نَافِعَةٌ، وَلَكِنَّهَا مَقْرُوْنَةٌ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى لَهُ وَرِضَاهُ عَنْهُم.
(٢) حَسَنٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٨٩٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. الصَّحِيْحَةُ (٧٦٥).
(٣) وَمِثْلُهَا قَوْلُ اللهِ ﷿ ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِيْنَ يَخَافُوْنَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُوْنِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيْعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُوْنَ﴾ (الأَنْعَام:٥١)؛ حَيْثُ كَانَ الإِنْذَارُ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ؛ وَأَنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ هُوَ سَبَبُ التَّقْوَى.
(٤) البُخَارِيُّ (٩٩).
(٥) صَحِيْحُ مُسْلِمٍ (٤٨٩).

1 / 572