569

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

٢) أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِيْ حَدَّ لَهُ مَنْ سَيَدْخُلُ الجَنَّةَ - وَلَيْسَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ -، كَمَا فِي نَفْسِ الحَدِيْثِ (فَيَأْتُوْنِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي، فَإِذَا أَنَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ؛ قُلْ تُسْمَعْ؛ سَلْ تُعْطَهْ؛ اشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيْدٍ - يُعَلِّمُنِيهِ رَبيَّ - ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا؛ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) (٢)
٣) أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلشَّفَاعَةِ شُرُوْطًا مِنْهَا: رِضَى اللهِ تَعَالَى عَنِ المَشْفُوْعِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيْهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُوْنَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُوْنَ﴾ (الأَنْبِيَاء:٢٨)، فيَكُوْنُ مِنْ أَسْبَابِ حُصُوْلِ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ طَلَبُ الرِّضَى مِنَ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ.
٤) أَنَّ الله تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ مِنْ أَسْبَابِ حُصُوْلِ الشَّفَاعَةِ أَنْ تُطْلَبَ مِنْ غَيْرِهِ تَعَالَى، بَلْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ شِرْكَ المُشْرِكِيْنَ الأَوَائِلِ كَانَ فِي طَلَبِ الشَّفَاعَةِ مِنَ الأَوْلِيَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُوْلُوْنَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُوْنَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُوْنَ﴾ (يُوْنُس:١٨)، وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ. (٣)
٥) أَنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يَكُوْنُ المُلْكُ وَالتَّصَرُّفُ فِيْهِ هُوَ للهِ وَحْدَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّيْنِ﴾، فَلَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ تَعَالَى. (٤)

(١) مُسْلِمٌ (١٩٣).
(٢) وَمِنْ بَابَ التَّقْرِيْبِ لِلأَذْهَانِ: أَرَأَيتَ لَو أَنَّ رَجُلًا أَهْدَى هَدِيَّةً إِلَى صَدِيْقِهِ وَأَرْسَلَهَا مَعَ عَامِلِهِ، فَهَلْ يَكُوْنُ فِيْهَا الفَضْلُ لِلعَامِلِ أَمْ لِمَنْ أَرْسَلَهُ؟ وَمَا رَأْيُكَ بِمَنْ شَكَرَ هَذَا العَامِلَ وَتَعَلَّقَ بِهِ وَطَلَبَ مِنْهُ المَزِيْدَ؟ هَلْ يَكُوْنُ إِلَّا جَاحِدًا مُنْكِرًا لِإِحْسَانِ صَاحِبِهِ؛ بِحَيْثُ يَقُوْلُ لَهُ: إِنَّ العَامِلَ هُوَ الَّذِيْ أَهْدَانِي وَلَيسَ أَنْتَ! لِأَنِّي رَأَيتُهَا في يَدِهِ!! فَقَارِنْ بَينَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ النَّاظِمِ لِلبُرْدَةِ:
(يَا أَكْرَمَ الخَلْقِ مَا لِيْ مَنْ أَلُوْذُ بِهِ ... سِوَاكَ عِنْدَ حُلُوْلِ الحَادِثِ العَمَمِ
إِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَعَادِي آخِذًا بِيَدِي ... فَضْلًا وَإِلَّا فَقُلْ يَا زَلَّةَ القَدَمِ)!!!
(٣) وَالحَدِيْثِ هُوَ «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ) ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِيْنَ يَسْتَكْبِرُوْنَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُوْنَ جَهَنَّمَ دَاخِرِيْنَ﴾ (غَافِر:٦٠». صَحِيْحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٩٦٩) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيْرٍ مَرْفُوْعًا. صَحِيْحُ الجَامِعِ (٣٤٠٧).
(٤) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ في التَّفْسِيْرِ (١٣٤/ ١): (وَتَخْصِيْصُ المُلْكِ بِيَوْمِ الدِّيْنِ لَا يَنْفِيْهِ عَمَّا عَدَاهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ الإِخْبَارُ بِأَنَّهُ رَبُّ العَالَمِيْنَ، وَذَلِكَ عَامٌّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنَّمَا أُضِيْفَ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَحَدٌ هُنَالِكَ شَيْئًا، وَلَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿يَوْمَ يَقُوْمُ الرُّوْحُ وَالمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُوْنَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ (النَّبَأ:٣٨)،
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ (طَه:١٠٨)،
وَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيْدٌ﴾ (هُوْد:١٠٥».

1 / 569