565

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

- الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ) إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَعْلَمُ الغَيْبَ! وَالمَلَائِكَةُ أَيْضًا! فَعِلْمُ الغَيْبِ لَيْسَ مَحْصُوْرًا بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ! حَتَّى الخَمْسُ المَذْكُوْرَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوْتُ إِنَّ اللهَ عَلِيْمٌ خَبِيْرٌ﴾ (لُقْمَان:٣٤)؟!
وَهَاكَ أَمْثِلَةً مِنَ النُّصُوْصِ عَلَى ذَلِكَ:
قَوْلُهُ ﷾: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُوْلٍ﴾ (الجِّنّ:٢٧)،
وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ أَيْضًا ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (آلِ عِمْرَان:١٧٩)،
وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى مَصَارِعِ القَتْلَى يَوْمَ بَدْرٍ؛ وَكُلٌّ مِنْهُم صُرِعَ فِي ذَلِكَ المَكَانِ، فَقَدْ عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الأَنْفُسَ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوْتُ وَهِيَ مِنَ الخَمْسِ!
وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى عَنِ المَسِيْحِ ﵇ ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُوْنَ وَمَا تَدَّخِرُوْنَ فِي بُيُوْتِكُمْ﴾ (آلِ عِمْرَان:٤٩) وَهِيَ أَيْضًا مِنَ الخَمْسِ!
وَقَوْلُهُ تَعَالَى لِلمَلَكِ الَّذِيْ يَكْتُبُ عَلَى النُّطْفَةِ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا وَعَمَلَهَا وَشَقِيٌّ صَاحِبُهَا أَمْ سَعِيْدٌ؛ فَهُوَ عَلِمَ الغَيْبِ، وَهَذِهِ أَيْضًا مِنَ الخَمْسِ!
وَقَوْلُهُ ﵊ فِي حَدِيْثِ اخْتِصَامِ المَلَأِ الأَعْلَى (فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) (١) فَيَشْمَلُ عِلْمَ السَّاعَةِ وَغَيْرِهَا!
وَحَدِيْثُ حُذَيْفَةَ؛ وَفِيْهِ (قَامَ فِيْنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُوْنُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ) (٢)،
وَحَدِيْثُ أَبِي ذَرٍّ؛ وَفِيْهِ (تَرَكَنَا رَسُوْلَ اللهِ ﷺ وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي الهَوَاءِ - إِلَّا وَهُوَ يُذَكِّرُنَا مِنْهُ عِلْمًا). (٣)

(١) حَسَنٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٢٣٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوْعًا. صَحِيْحُ التِّرْمِذِيِّ (٣٢٣٤).
وَتَمَامُهُ (أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُوْرَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّي وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: فِيْمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: رَبِّ لَا أَدْرِي، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ فَعَلِمْتُ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: فِيْمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الدَّرَجَاتِ وَالكَفَّارَاتِ، وَفِي نَقْلِ الأَقْدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ، وَإِسْبَاغِ الوُضُوْءِ فِي المَكْرُوْهَاتِ، وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَمَنْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ، وَكَانَ مِنْ ذُنُوْبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ).
وَبِنَحْوِهِ أَيْضًا فِي التِّرْمِذِيِّ (٣٢٣٥) مِنْ حَدِيْثِ مُعَاذٍ، قَالَ عَنْهُ أَبُو عِيْسَى التِّرْمِذِيُّ ﵀: (هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ. سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيْلَ (البُخَارِيَّ) عَنْ هَذَا الحَدِيْثِ، فَقَالَ: (هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ».
(٢) البُخَارِيُّ (٦٦٠٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٨٩١) عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوْعًا، وَهُوَ بِتَمَامِهِ في مُسْلِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: (قَامَ فِيْنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُوْنُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ - حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ - قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُوْنُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيْتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ).
(٣) صَحِيْحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي المُعْجَمِ الكَبِيْرِ (١٥٥/ ٢)، الصَّحِيْحَةُ (١٨٠٣).

1 / 565