At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid
التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
١٢) (فَإِنَّ مِنْ جُوْدِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتها ... وَمِنْ عُلُوْمِكَ عِلْمَ اللَّوْحِ وَالقَلَمِ)
التَّعْلِيْقُ: هَذَا البَيْتُ فِيْهِ غُلُوٌّ شَدِيْدٌ - لَا سِيَّمَا مَعَ (مِنْ) التَّبْعِيْضِيَّةِ هَذِهِ!! -، بَلْ كُفْرٌ بِالرُّبُوْبِيَّةِ، وَذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ:
أ) أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ رِزْقَ العِبَادِ فِي أَيْدِي النَّاسِ اسْتِقْلَالًا، وَلَمْ يَجْعَلْ طَلَبَ الرِّزْقِ إِلَّا مِنْهُ تَعَالَى حَصْرًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِيْنَ تَعْبُدُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ لَا يَمْلِكُوْنَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوْهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ﴾ (العَنْكَبُوْت:١٧).
ب) أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ مِلْكٌ لَهُ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالأُوْلَى﴾ (اللَّيْل:١٣)،
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى أَيْضًا ﴿قُلْ لَا أَقُوْلُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلَا أَقُوْلُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ (الأَنْعَام:٥٠) (١)، فَظَهَرَ بِذَلِكَ كَذِبُ قَوْلِهِ (فَإِنَّ مِنْ جُوْدِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا).
ج) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفْسَهُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُعْطِي وَلَا يَمْنَعُ مِنْ عِنْدَ نَفْسِهِ، كَمَا فِي الحَدِيْثِ (مَا أُعْطِيْكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ؛ إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ؛ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ) (٢)، فَبَطَلَ بِذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِهِ صَلَوَاتُ اللهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الأَسْبَابِ أَيْضًا.
د) مَنْ زَعَمَ أَنَّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ خُلِقَتَا لِأَجْلِهِ ﷺ! وَهُوَ يَجُوْدُ بِهَا عَلَى مَنْ أَرَادَ! فَهَذَا بَاطِلٌ أَيْضًا، وَفِيْهِ حَدِيْثٌ مَوْضُوْعٌ (٣)، فَاللهُ ﷾ قَدْ أَعْلَمَنَا بِالحِكْمَةِ مِنْ خَلْقِهِمَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِيْ خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيْعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ﴾ (البَقَرَة:٢٩)،
وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿وَهُوَ الَّذِيْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (هُوْد:٧).
هـ) وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ مِنْ عِلْمِهِ ﵊ عِلْمُ اللَّوْحِ المَحْفُوْظِ فَهُوَ كَذِبٌ عَلَى الشَّرِيْعَةِ، فَاللهُ تَعَالَى يَقُوْلُ عَنْ نَبِيِّهِ: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ (الأَعْرَاف:١٨٨).
تَمَّ إِلَى هُنَا التَّعْلِيْقُ عَلَى نُبْذَةٍ مِنْ أَبْيَاتِ البُوْصِيْرِي؛ بِمَا يُحَقِّقُ المَطْلُوْبَ، وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوْفِيْقِهِ.
(١) قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيْرِ (١٤٥/ ٣): (﴿لَا أَقُوْلُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ﴾ أَيْ: خَزَائِنُ رِزْقِهِ فَأُعْطِيْكُم مَا تُرِيْدُوْنَ، ﴿وَلَا أَعْلَمُ الغَيْبَ﴾ فَأُخْبِرُكُم بِمَا غَابَ مِمَّا مَضَى وَمِمَّا سَيَكُوْنُ، ﴿وَلَا أَقُوْلُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ المَلَكَ يَقْدِرُ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الآدَمِيُّ وَيُشَاهِدُ مَا لَا يُشَاهِدُهُ الآدَمِيُّ).
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣١١٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا.
(٣) وَالحَدِيْثُ المَشْهُوْرُ لَفْظًا (يَا مُحَمَّدُ، لَوْلَاكَ مَا خَلَقْتُ الدُّنْيَا) فَهوَ مَوْضُوْعٌ. كَمَا فِي تَلْخِيْصِ كِتَابِ المَوضُوْعَاتِ (ص٨٦) لِلحَافِظِ الذَّهَبِيِّ؛ وَفِيْهِ أَيْضًا (وَقَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: (مَوْضُوْعٌ بِلَا شَكٍّ، وَيَحْيَى البَصْرِيُّ تَالِفٌ كَذَّابٌ، وَالسَّنَدُ فِيْهِ ظُلْمَةٌ».
1 / 561