547

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

٣) أَنَّ سُكُوْتَ النَّبِيِّ ﷺ بعْدَ هَذَا الوَصْفِ دُوْنَ أَنْ يُتْبِعَهُ بِبَيَانٍ هُوَ إِقْرَارٌ لَهُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ عُلِمَ أَيْضًا فِي الأُصُوْلِ أَنَّ (تَأْخِيْرَ البَيَانِ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ لَا يَجُوْزُ).
وَفِي زَعْمِ هَؤُلَاءِ أَنَّ البَيَانَ تأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ حَتَّى وَقَعَ المَحْظُوْرُ، فَفَهِمَ الصَّحَابةُ التَّجْسِيْمَ - وَهُوَ الكُفْرُ المَحْضُ عِنْدَ المُعَطِّلَةِ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وَلَمْ يَفْهَمُوا قَصْدَهُ ﵊ مِنْ إِيْرَادِهِ الآيَةَ الكَرِيْمَةَ.
٤) أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ اسْتَدَلَّ بِالقُرْآنِ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ الحَبْرُ عِنْدَمَا تَلَا الآيَةَ الكَرِيْمَةَ، حَيْثُ ذَكَرَ فِيْهَا قَبْضَةَ اللهِ تَعَالَى؛ وَبِمِثْلِ مَا جَاءَ الكَلَامُ عَنِ اليَهُوْدِيِّ فِي قَبْضِ الأَرْضِ وَطَيِّ السَّمَاءِ.
٥) عَلَى تَقْدِيْرِ خَطَإِ جَعْلِ الأَصَابِعِ صِفَةً للهِ تَعَالَى، فَهَلْ يُقرُّوْنَ بِصِفَةِ القَبْضَةِ للهِ تَعَالَى الَّتِيْ جَاءَتْ فِي الآيَةِ الكَرِيْمَةِ! فَإِنْ كَانُوا كَذَلِكَ - وَلَا بُدَّ؛ وَلَوْ مَعَ التَّأْوِيْلِ عِنْدَهُم - فَصِفَةُ الأَصَابِعِ لَيْسَتْ بِأَعْجَبَ مِنْ صِفَةِ القَبْضَةِ، فَمَا سَلَّمُوا بِهِ هُنَا يَصْلُحُ أَنْ يُسَلِّمُوا بِمِثْلِهِ هُنَاكَ. وَالحَمْدُ للهِ.
٦) أَنَّ المُتَأَمَّلَ فِي سِيَاقِ الحَدِيْثِ وَمَا ذُكِرَ فِي الآيَةِ الكَرِيْمَةِ بَعْدَهَا يَجِدُ دِلَالَةً ظَاهِرَةً لِمَا ذَكَرْنَاهُ، حَيْثُ لَوْ كَانَ المَقْصُوْدُ مِنَ الآيَةِ تَنْزِيْهَ اللهِ تَعَالَى عَنِ التَّجْسِيْمِ وَالصِّفَاتِ القَبِيْحَةِ - عَلَى حَدِّ زَعْمِ المُعَطِّلةِ - لَكَانَ اللَّفْظُ المُوَافِقُ لِلسِّيَاقِ هُوَ كَمَا فِي آيَاتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُوْنَ﴾ (الأَنْعَام:١٠٠)؛ وَإِنَّمَا جَاءَ الكَلَامُ هُنَا مِنْ لَدُنِ حَكِيْمٍ خَبِيْرٍ ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُوْنَ﴾ حَيْثُ جَاءَ فِي أَوَّلِ الآيَةِ ذِكْرُ صِفَاتِ الرُّبُوْبِيَّةِ وَالعَظَمَةِ، ثُمَّ أُتْبِعَتْ بِالأَمْرِ بِتَوْحِيْدِ الأُلُوْهِيَّةِ - كَمَا لَا يَخْفَى مِنَ الأُسْلُوْبِ القُرْآنِيِّ فِي ذَلِكَ -، فَلَمْ يَذُمَّ اللهُ تَعَالَى مَا ذُكِرَ مِنَ الوَصْفِ، فَأَوَّلُ الآيَةِ فِيْهَا ذِكْرُ تَمْجِيْدِ الرَّبِّ تَعَالَى نَفْسَهُ وذِكْرُ عَظَمَتِهِ، وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِمَا ذُكِرَ قَبْلَهَا مِنْ جِنْسِ التَّعْظِيمِ أَيْضًا فِي الحَدِيْثِ.
وَبِمَعْنَىً آخَرَ: إِنَّ الآيَةَ ذمَّتِ المُشْرِكِيْنَ - وَمِنْهُم اليَهُوْدُ - عَلَى مَا جَاءُوْا بِهِ مِنَ الشِّرْكِ وَلَيْسَ مِنَ الوَصْفِ، فَهِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِيْ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ﴾ (البَقَرَة:٢٢).

1 / 547