At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid
التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) هَلْ النَّهْيُ هُوَ عَنِ التَّمَاثِيْلِ المُجَسَّمَةِ (ذَاتِ الظِّلِّ) أَمْ عَنْ عُمُوْمِ الصُّوَرِ؟
الجَوَابُ: بَلْ عَنْ عُمُوْمِ الصُّوَرِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ جِهَتَيْنِ:
١) مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ: أَنَّ الصُوْرَةَ تُطْلَقُ عَلَى التِّمْثَالِ، وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ. قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ: (التِّمْثَالُ: الصُوْرَةُ). (١) (٢)
٢) مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ: جَاءَ فِي الحَدِيْثِ النَّهْيُ عَنْ وُجُودِ الصُّوَرِ عَلَى السَّتَائِرِ وَغِيْرِهَا؛ وَهِيَ بِلَا شَكٍّ لَيْسَتْ مُجَسَّمَةً، كَمَا فِي الصَّحِيْحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً (٣) لِي بِقِرَامٍ (٤) فِيْهِ تَمَاثِيْلُ (٥) -، فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ وَقَالَ: (يَا عَائِشَةُ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ الَّذِيْنَ يُضَاهُوْنَ بِخَلْقِ اللهِ)،قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ). (٦)
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٧): (وَلَا فَرْق فِي هَذَا كُلِّهِ بَيْنِ مَا لَهُ ظِلٌّ وَمَا لَا ظِلَّ لَهُ. هَذَا تَلْخِيْصُ مَذْهَبِنَا فِي المَسْأَلَةِ، وَبِمَعْنَاهُ قَالَ جَمَاهِيْرُ العُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ بَعْض السَّلَفِ: إِنَّمَا يُنْهَى عَمَّا كَانَ لَهُ ظِلٌّ، وَلَا بَأْس بِالصُّوَرِ الَّتِيْ لَيْسَ لَهَا ظِلٌّ، وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ السِّتْرَ الَّذِيْ أَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الصُوْرَةَ فِيْهِ؛ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ مَذْمُوْمٌ، وَلَيْسَ لِصُوْرَتِهِ ظِلٌّ، مَعَ بَاقِي الأَحَادِيْثِ المُطْلَقَةِ فِي كُلّ صُوْرَة. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: النَّهْيُ فِي الصُوْرَةِ عَلَى العُمُوْمِ، وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ مَا هِيَ فِيْهِ، وَدُخُوْلُ البَيْتِ الَّذِيْ هِيَ فِيْهِ؛ سَوَاءً كَانَتْ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ أَوْ غَيْرَ رَقْمٍ، وَسَوَاءً كَانَتْ فِي حَائِطٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ بِسَاطٍ مُمْتَهَنٍ أَوْ غَيْرِ مُمْتَهَنٍ؛ عَمَلًا بِظَاهِرِ الأَحَادِيْثِ، لَا سِيَّمَا حَدِيْثِ (النُّمْرُقَةِ) الَّذِيْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ، وَهَذَا مَذْهَبٌ قَوِيٌّ).
(١) لِسَانُ العَرَبِ (٦١٣/ ١١).
(٢) وَفِي الحَدِيْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ مَرْفُوْعًا (أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ وَمُمَثِّلٌ مِنْ المُمَثِّلِيْنَ). صَحِيْحٌ. أَحْمَدُ (٣٨٦٨). الصَّحِيْحَةُ (٢٨١).
قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (٦١٣/ ١١): (وَفِي الحَدِيْثِ (أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا مُمَثِّلٌ مِنَ المُمَثِّلِيْنَ): أَيْ: مُصَوِّرٌ)، وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الأَثِيْرِ ﵀.
(٣) قَالَ ابْنُ الأَثِيْرِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (النِّهَايَةُ فِي غَرِيْبِ الحَدِيْثِ وَالأَثَرِ) (١٠٤٧/ ٢): (السَّهْوَةُ: بَيْتٌ صَغِيْرٌ مُنْحَدِرٌ فِي الأَرْضِ قَلِيْلًا؛ شَبِيْهٌ بِالمُخْدَعِ وَالخِزَانةِ).
(٤) (القِرَامُ): بِكَسْرِ القَافِ: السِّتْرُ.
(٥) وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَيْضًا (فِيهِ الخَيْلُ ذَوَاتُ الأَجْنِحَةِ).
(٦) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٩٥٤)، وَمُسْلِمٌ (٢١٠٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا.
(٧) شَرْحُ مُسْلِمٍ (٨١/ ١٤).
1 / 498