496

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

٥) أَمَّا دَعْوَى أَنَّ التَّصْوِيْرَ الفُوتُوغَرَافِيَّ لَيْسَ فِيْهِ مُضَاهَاةٌ لِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى؛ وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ (كَبْسَةِ زِرٍّ)!! فَهُوَ عَجَبٌ مِنَ الكَلَامِ وَاللهِ! (١) وَذَلِكَ لِأُمُوْرٍ:
أ) أَنَّ كَبْسَةَ الزِّرِّ هَذِهِ هِيَ عَمَلٌ لَا رَيْبَ أَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ قَصْدٍ وَإِرَادَةٍ وَسَعْيٍ، فَكَمَا أَنَّ الكَلِمَةَ قَدْ تَكُوْنُ سَبَبًا فِي الهَوِيِّ فِي النَّارِ سَبْعِيْنَ خَرِيْفًا، فَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِثْلَهَا مِنَ العَمَلِ وَالقَصْدِ - وَإِنْ كَانَ قَلِيْلًا -. (٢)
ب) أَنَّ هَذِهِ الكَبْسَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَةً؛ فَهِيَ مَسْبُوقَةٌ بِأَعْمَالٍ ضِمْنَ عَشَرَاتِ السِّنِيْنَ مِنَ السَّعْي وَالجُهْدِ فِي طَرِيْقِ الوُصُوْلِ إِلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ الآنَ، وَمُخْتَتَمَةٌ أَيْضًا بِأَعْمَالِ إِخْرَاجٍ - مِنْ تَحْمِيْضٍ وَطِبَاعَةٍ وَتَلْوِيْنٍ - فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كَبْسَةِ زِرٍّ!
ج) أَنَّ هَذَا المُصَوِّرَ مِنْهُ المُحْتَرِفُ وَمِنْهُ المُبْتَدِئُ، وَلَكِنْ كِلَاهُمَا - مَهْمَا قِيْلَ فِي بَسَاطَةِ عَمَلِهِ - فَهُوَ - بِلَا شَكٍّ - حَرِيْصٌ عَلَى أَنْ تَكُوْنَ صُوْرَتُهُ فِي أَفْضَلِ حَالٍ مِنَ المُضَاهَاةِ حَتْمًا، لِذَلْكَ تَرَاهُ يَتَمَايَلُ يَمِيْنًا وَشِمَالًا، إِلَى أَعْلَى وَأَسْفَل، مُشَدِّدًا الإِضَاءَةَ وَمُضَعِّفَهَا، مُنْتَقِيًا لِأَحْسَنِ الآلَاتِ المُصَوِّرَةِ - بِحَسْبِ قُدْرَتِهِ -، فَهَلْ مِثْلُ هَذَا يُقَالُ عَنْهُ: إِنَّهُ لَا يَقْصِدُ المُضَاهَاةِ؟!
د) إِذَا كَانَتْ المُضَاهَاةُ هِيَ عِلَّةَ النَّهْي فِي الرَّسْمِ اليَدَوِيِّ - وَهِيَ أَحَدُ أَوْجُهِ النَّهْي - فَلَا رَيْبَ أَنَّ التَّصْوِيْرَ الشَّمْسِيَّ أَعْلَى مُضَاهَاةً مِنْ جِهَةِ النَّتِيْجَةِ؛ وَعَلَيْهِ فَالعِلَّةُ فِيْهِ هِيَ مِنْ بَابِ أَوْلَى. (٣)

(١) قَالَ الشَّيْخُ الأَلْبَانيُّ ﵀ فِي الصَّحِيْحَةِ (٣٥٦): (التَّفْرِيْقُ بَيْنَ التَّصْوِيْرِ اليَدَوِيِّ وَالتَّصْوِيْرِ الفُوْتُوْغِرَافِيِّ؛ فَيَحْرُمُ الأَوَّلُ دَوْنَ الثَّانِي! ظَاهِرِيَّةٌ عَصْرِيَّةٌ وَجُمُوْدٌ لَا يُحْمَدُ).
(٢) كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٦٤٧٨)، وَمُسْلِمٍ (٢٩٨٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا (إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ).
(٣) وَلِبَيَانِ شَيْءٍ مِنَ الوَاقِعِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ بِأَنَّ التَّصْوِيْرَ الشَّمْسِيَّ حَقِيْقَةً هُوَ كَاليَدَوِيِّ مِنْ حَيْثُ تَدَرُّجِ الدِّقَّةِ فِي الالْتِقَاطِ وَالعَرْضِ، فَهُنَاكَ مَا يُسَمَّى بِدَرَجَةِ الـ (بِكْسِلْ) وَهِي دَرَجَةٌ تُعَبِّرُ عَنْ دِقَّةِ الالْتِقَاطِ وَالعَرْضِ، فَمُنْذُ سَنَوَاتٍ كُنْتَ تَجِدُ أَنَّ هُنَاكَ مِنَ الصُّوَرِ الشَّمْسِيَّةِ إِذَا أَعْمَلْتَ فِيْهَا العَدَسَةَ المُكَبِّرَةَ قَلِيْلًا رَأَيْتَهَا تَنْقَسِمُ إِلَى مُرَبَّعَاتٍ لَوْنِيَّةٍ؛ حَيْثُ تَفْقُدُ الصُوْرَةُ فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ التَّكْبِيْرِ دِقَّتَهَا وَوُضُوْحَهَا، وَمَعَ تَقَدُّمِ التّقَنِيَّةِ تَزْدَادُ هَذِهِ الدِّقَّةُ، فَهَلْ يُقَالُ بَعْدُ مَعَ هَذَا: إِنَّ المُصَوَّرَ هُوَ نَفْسُ تَصْوِيْرِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ؟! وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوْفِيْقِهِ.

1 / 496