At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid
التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
- المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) مَا هُوَ حَدِيْثُ الكِتَابَيْنِ، وَأَيْنَ هُمَا الآنَ؟
الجَوَابُ:
الحَدِيْثُ هُوَ (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ -، فَقَالَ: (أَتَدْرُوْنَ مَا هَذَانِ الكِتَابَانِ؟) فَقُلْنَا: لَا يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا، فَقَالَ لِلَّذِيْ فِي يَدِهِ اليُمْنَى: (هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِيْنَ؛ فِيْهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيْهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا)، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِيْ فِي شِمَالِهِ: (هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِيْنَ؛ فِيْهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ (١)؛ فَلَا يُزَادُ فِيْهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا)، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيْمَ العَمَلُ يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ - وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ -، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ - وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ -)، ثُمَّ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: (فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ العِبَادِ؛ فَرِيْقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيْقٌ فِي السَّعِيْرِ). (٢)
أَمَّا الكِتَابَانِ؛ فَهُمَا تَمْثِيْلٌ وَتَقْرِيْبٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ هُمَا كِتَابَيْنِ حَقِيْقَةً (٣)، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ أَوْجُهٍ:
أ- أَنَّ اللَّوْحَ المَحْفُوْظَ الَّذِيْ فِيْهِ تِلْكَ الأَسْمَاءُ هُوَ مَحْفُوْظٌ أَصْلًا مَنْ أَنْ يَمَسَّهُ أَحَدٌ.
ب- أَنَّهُ لَو كَانَ المَقْصُوْدُ حَقِيْقَتَهُ؛ لَتَوَاتَرَتِ الأَخْبَارُ عَنْهُمَا وَعَنْ مَصِيْرِهِمَا؛ فَشَأْنُهُمَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَخْفَيَانِ عَلَى أَحَدٍ.
ج- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَبَذَهُمَا بِيَدِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَا بِمُحْتَرَمَيْنِ أَصْلًا مِنْ جِهَةِ حَقِيْقَتِهِمَا. (٤)
(١) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (١٢٨/ ١١): (أَجْمَلْتُ الحِسَابَ: إِذَا جَمَعْتُ آحَادَهُ وَكَمَّلْتُ أَفْرَادَهُ، أَيْ: أُحْصُوا وَجُمِعُوا؛ فَلَا يُزَادُ فِيْهِمْ وَلَا يُنْقَصُ).
(٢) صَحِيْحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢١٤١) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ العَاصِ مَرْفُوْعًا. الصَّحِيْحَةُ (٨٤٨).
(٣) وَذَهَبَ المُبَارَكْفُوْرِي ﵀ فِي كِتَابِهِ (مِرْعَاةُ المَفَاتِيْحِ) (١٨٥/ ١) إِلَى حَقِيْقَةِ الكِتَابَينِ. قُلْتُ: وَمَا أَثْبَتْنَاهُ أَوْلَى لِمَا سَتَرَى مِنْ وُجُوْهِ التَّرْجِيْحِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
(٤) قَالَ الشَّيْخُ الغُنَيْمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيْدِ مِنْ صَحِيْحِ البُخَارِيِّ (٦٢٨/ ٢): (وَهَذَانِ الكِتَابَانِ اللَّذَانِ أَخَذَهُمَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ لَيْسَا هُمَا الكِتَابَانِ اللَّذَانِ كَتَبَ اللهُ فِيْهِمَا أَسْمَاءَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَمْثِيْلٌ مِنْ رَسُوْلِ الله ﷺ وَتَقْرِيْبٌ إِلَى أَفْهَامِ النَّاسِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ مِمَّا سَيَكُوْنُ وَمَا يَصِيْرُ إِلَيْهِ العِبَادُ، وَكَتَبَهُ تَأْكِيْدًا لِعِلْمِهِ تَعَالَى، فَلَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ).
1 / 474