466

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) مَا الجَوَابُ عَنْ أَدِلَّةِ الفِرْقَتَيْنِ الضَّالَّتَيْنِ فِي مَسَائِلِ القَدَرِ؟
حَيْثُ كَانَتْ أَدِلَّةُ الفِرْقَةِ الأُوْلَى (الجَبْرِيَّةِ) - بِإِيْجَازٍ -:
- قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُوْنَ﴾ (الصَّافَّات:٩٦). (١)
- قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ (الأَنْفَال:١٧)، فَنَفَى اللهُ الرَّمْيَ عَنْ نَبِيِّهِ حِيْنَ رَمَى وَأَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ!
وَكَانَتْ أَدِلَّةُ الفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ (المُعْتَزِلَةِ القَدَرِيَّةِ) - بِإِيْجَازٍ -:
- قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيْدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيْدُ الآخِرَةَ﴾ (آل عِمْرَان:١٥٢)، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى أَيْضًا ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيْمَ﴾ (التَّكْوِيْر:٢٨)، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى أَيْضًا ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيْدِ﴾ (فُصِّلَت:٤٦). وَنَحْوِهَا مِنَ النُّصُوْصِ القُرْآنِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ لِلعَبْدِ إِرَادَةً وَمَشِيْئَةً خَاصَّةً بِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ العَامِلُ الكَاسِبُ الرَّاكِعُ السَّاجِدُ وَنَحْو ذَلِكَ.
- أَنَّ هَذَا فِيْهِ نِسْبَةُ الفَحْشَاءِ - بِزَعْمِهِم - إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَمَعْصِيَةُ العَبْدِ لَا يَجُوْزُ أَنْ تُنْسَبَ إِلَيْهِ تَعَالَى!
الجَوَابُ عَلَى اسْتِدْلَالِ الفِرْقَةِ الأُوْلَى:
١) قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُوْنَ﴾ هُوَ حُجَّةُ عَلَيْهِم؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَضَافَ العَمَلَ إِلَيْهِم، وَأَمَّا كَوْنُ اللهِ تَعَالَى خَالِقُهُ؛ فَلِأَنَّ عَمَلَ العَبْدِ حَاصِلٌ بِإِرَادَتِهِ الجَازِمَةِ وَقُدْرَتِهِ التَّامَّةِ، وَالإِرَادَةُ وَالقُدْرَةُ مَخْلُوْقَتَانِ للهِ ﷿؛ فَكَانَ بِهِمَا الفِعْلُ مَخْلُوْقًا أَيْضًا للهِ تَعَالَى.
٢) وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِم أَيْضًا؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَضَافَ الرَّمْيَ إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ، لَكِنَّ الرَّمْيَ فِي الآيَةِ لَهُ مَعْنَيَانِ:
أ- رَمْيُ الشَّيْءِ المَرْمِيِّ؛ وَهُوَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِيْ أَضَافَهُ اللهُ إِلَيْهِ.
ب- إِيْصَالُ المَرْمِيِّ إِلَى أَعْيُنِ الكُفَّارِ الَّذِيْنَ رَمَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالتُّرَابِ يَوْمُ بَدْرٍ فَأَصَابَ عَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مَنْهُم، وَهَذَا مِنْ فَعْلِ اللهِ، إِذْ لَيْسَ بِمَقْدُوْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُوْصِلَ التُّرَابَ إِلَى عَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مَنْهُم. (٢) (٣)
٣) أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَبْطَلَ حُجَّةَ المُشْرِكِيْنَ الَّذِيْنَ اسْتَدَلُّوا بِالقَدَرِ عَلَى مَعَاصِيْهِم؛ وَزَعَمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِيْ شَاءَ ذَلِكَ - بِمَعْنَى أَنَّهُم لَيْسَ لَهُم اخْتِيَارٌ يُلَامُوْنَ عَلَيْهِ - فَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَقُوْلُ الَّذِيْنَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوْهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُوْنَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُوْنَ﴾ (الأَنْعَام:١٤٨). (٤)
٤) أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ لِلعَبْدِ مَشِيْئَةً مُسْتَقِلَّةً - مِنْ جِهَةِ اخْتِيَارِهِ -، وَلَكِنَّهَا خَاضِعَةٌ لِمَشِيْئَتِهِ تَعَالَى؛ فَلَا يَقَعُ إِلَّا مَا شَاءَهُ اللهُ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيْمَ وَمَا تَشَاءُوْنَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العَالَمِيْنَ﴾ (التَّكْوِيْر:٢٩).
٥) أَنَّ القَوْلَ بِسَلْبِ مَشِيْئَةِ وَاخْتِيَارِ العَبْدِ يُبْطِلُ الثَّوَابَ وَالعِقَابَ، وَلَوْلَا نِسْبَةُ الفِعْلِ إِلَى العَبْدِ مَا كَانَ لِلثَّنَاءِ عَلَى المُؤْمِنِ المُطِيْعِ وَإِثَابَتِهِ فَائِدَةٌ، وَكَذَلِكَ عُقُوْبَةُ العَاصِي وَتَوْبِيْخُهُ، وَهَذَا قَادِحٌ فِي الإِيْمَانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ، وَقَادِحٌ فِي عَدْلِهِ تَعَالَى.

(١) وَهُوَ عَلَى تَوْجِيهِ أَنَّ العَمَلَ هُنَا هُوَ صِفَةُ العَبْدِ القَائِمَةِ بِهِ؛ وَلَيْسَ المَعْمُوْلَ؛ أَيْ: الأَصْنَامَ.
(٢) قَالَ الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الاعْتِقَادُ) (ص ١٤٢): (بَابٌ: القَوْلُ فِي خَلْقِ الأَفْعَالِ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (غافر:٦٢) فَدَخَلَ فِيهِ الأَعْيَانُ وَالأَفْعَالُ مِنَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ) ثُمَّ أَوْرَدَ مَجْمُوْعَةً مِنَ الأَدِلَّةِ إِلَى أَنْ قَالَ: (فَثَبَتَ أَنَّ الأَفْعَالَ كُلَّهَا - خَيْرَهَا وَشَرَّهَا - صَادِرَةٌ عَنْ خَلْقِهِ وَإِحْدَاثِهِ إِيَّاهَا؛ وَلِأَنَّهُ قَالَ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوْهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (الأَنْفَال:١٧)، وَقَالَ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُوْنَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُوْنَ﴾ (الوَاقِعَة:٦٤) فَسَلَبَ عَنْهُمْ فِعْلَ القَتْلِ وَالرَّمْيِ وَالزَّرْعِ مَعَ مُبَاشَرَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَأَثْبَتَ فِعْلَهَا لِنَفْسِهِ؛ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ المَعْنَى المُؤَثِّرَ فِي وُجُودِهَا بَعْدَ عَدَمِهَا هُوَ إِيجَادُهُ وَخَلْقُهُ، وَإِنَّمَا وُجِدَتْ مِنْ عِبَادِهِ مُبَاشَرَةُ تِلْكَ الأَفْعَالِ بِقُدْرَةٍ حَادِثَةٍ أَحْدَثَهَا خَالِقُنَا ﷿ عَلَى مَا أَرَادَ، فَهِيَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ خَلْقٌ - عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي اخْتَرَعَهَا بِقُدْرَتِهِ القَدِيمَةِ - وَهِيَ مِنْ عِبَادِهِ كَسْبٌ - عَلَى مَعْنَى تَعَلُّقِ قُدْرَةٍ حَادِثَةٍ بِمُبَاشَرَتِهِمُ الَّتِي هِيَ أَكْسَابُهُمْ -).
(٣) قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا البَابِ مَا يُتَنَاقَلُ عَلَى لِسَانِ العَامَّةِ فَضْلًا عَنِ الخَاصَّةِ مِنْ أَنَّهُم يَنْسِبُوْنَ أَفْعَالًا قَامَتْ بِالعِبَادِ إِلَى اللهِ تَعَالَى كَقَوْلِ المَرِيْضِ (شَفَانِي اللهُ تَعَالَى) بَعْدَ أَنْ يَكُوْنَ قَدْ تَعَاطَى عِلَاجَ الطَّبِيْبِ، وَمِثْلُ أَنْ يَقُوْلَ: (أَعْطَانِي اللهُ هَذَا المَالَ) مَعَ أَنَّهُ وَرِثَهُ أَوْ كَسِبَهُ مِنْ عَمَلٍ أَوْ تِجَارَةٍ وَنَحْو ذَلِكَ، فَهَذَا كُلُّهُ صَحِيْحٌ لِأَنَّهُ فِي سِيَاقِ إِظْهَارِ نِعْمَةِ المُنْعِمِ بِذَلِكَ وَهُوَ اللهُ ﵎، وَلَا يَخْفَى أَنَّ عِلَاجَ الطَّبِيْبِ إِنَّمَا أَخَذَ أَثَرَهُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، بَلْ طِبُّ الطَّبِيْبِ إِنَّمَا كَانَ بِتَعْلِيْمِ اللهِ تَعَالَى لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُوْنَ﴾ (النَّحْل:٧٨)، وَأَيْضًا هِبَةُ المَالِ أَوْ كَسْبِهِ فِي التِّجَارَةِ إِنَّمَا تَمَّ بِتَعْلِيْمِ وَتَيْسِيْرِ اللهِ لِهَذَا المَالِ إَلَى أَنْ يَقَعَ فِي يَدِ ذَلِكَ التَّاجِرِ أَوِ الوَارِثِ أَوِ الكَاسِبِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النُّوْر:٣٣).
(٤) وَفي البُخَارِيِّ (٧٣٤٧)، وَمُسْلِمٍ (٧٧٥)؛ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: (إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ﵍ بِنْتَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ: (أَلَا تُصَلُّوْنَ؟) فَقَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ؛ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا.
فَانْصَرَفَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ حِيْنَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعَهُ - وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ - وَهُوَ يَقُوْلُ: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (الكَهْف:٥٤».
قَالَ الشَّيْخُ الغُنَيْمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيْدِ مِنْ صَحِيْحِ البُخَارِيِّ (٢٥٩/ ٢): (في هَذَا الحَدِيْثِ بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي مُعَارَضَةُ الأَمْرِ بِالقَدَرِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ (إِنَّمَا نُفُوْسُنَا بِيَدِ اللهِ) إِلَى آخِرِهِ، اسْتِنَادٌ إِلَى القَدَرِ فِي تَرْكِ امْتِثَالِ الأَمْرِ، وَهَذَا القَوْلُ فِي نَفْسِهِ حَقٌّ، وَلَكِنْ لَا يَصْلُحُ لِمُعَارَضَةِ الأَمْرِ، بَلْ مُعَارَضَةُ الأَمْرِ بِهَذَا مِنْ بَابِ الجَدَلِ المَذْمُوْمِ الَّذِيْ قَالَ اللهُ فِيْهِ: ﴿وَكَانَ الإِنَسَانُ أَكثَر شَيْءٍ جَدَلًا﴾ وَلِهَذَا انْصَرَفَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ كَارِهًا لِمَقَالَتِهِ، وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَكَانَ الإِنَسَانُ أَكثَر شَيْءٍ جَدَلًا﴾، وَضَرْبُهُ فَخِذَهُ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ أَيْضًا، وَتَعَجُّبُهُ مِنْ عَلِيٍّ كَيْفَ يُعَارِضُ قَوْلَهُ لَهُ (أَلَا تُصَلُّونَ؟) بِتِلْكَ المَقَالَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِمَشِيْئَةِ اللهِ، فَلَوْ أَنَّ كُلَّ مَنْ أُمِرَ بِأَمْرٍ قَالَ: إِذَا شَاءَ اللهُ فَعَلْتُهُ وَإِذَا شَاءَ لَمْ أَفْعَلْهُ؛ لَتَعَطَّلَتِ الأَوَامِرُ كُلُّهَا، وَسَادَ هَوَى النُّفُوْسِ).

1 / 466