Asl al-Zarari Sharh Sahih al-Bukhari - Manuscript
أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط
Yayıncı
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Yayın Yeri
https
•
İmparatorluklar & Dönemler
Osmanlılar
Haşimi Şerifler (Mekke, Hicaz, Bereketli Hilal), 1253-1344 / 1827-1925
ما قبلها، ويجمع على أبواب، وقد قالوا: أبوبة، وإنما جُمِعَ في قول القتال الكلابي:
هتَّاك (^١) أخبية ولَّاج أبوبة... . . . . . . . . . . . . . . .
للإزدواج، ولو أفرده؛ لم يجز، ويقال: أبواب مبوَّبة، كما يقال: أصناف مصنَّفة، والبابة: الخصلة، والبابات: الوجوه، قال ابن السكيت: البابة عند العرب: الوجه، انتهى.
(وقولِ الله ﷿؛ بالجر عطفًا على (مواقيت)؛ أي: هذا باب مواقيت الصلاة وباب بيان قوله... إلخ، وللأصيلي: (وقولِه ﷿.
وزعم العجلوني أنَّه يجوز فيه الرفع، كما في بعض الأصول، ووجهه ظاهر، انتهى.
قلت: وجهه غير ظاهر؛ لأنَّه إذا جعل عطفًا على (كتاب) أو (باب) أو غيرهما؛ يكون تكلفًا، ولا يجوز جعله خبر مبتدأ محذوف؛ لوجود الواو العاطفة مع تعلقها بما قبلها وما بعدها، وكونها في بعض الأصول؛ لم يبين ما هذا الأصل من أيَّ راوٍ هو؟ والذي عليه الجمُّ الغفير من الشَّارحين أنَّه بالجر فقط لا سيما إمامهم صاحب «العمدة»، فإنَّه اقتصر على الجر، فلو كان ثمة رواية بالرفع؛ لذكرها؛ فافهم.
(﴿إِنَّ الصَّلاةَ﴾) أي: الشرعيَّة (﴿كَانَتْ﴾) فيه: دليل على أنَّ الصلاة كانت على الأمم السالفة كلها، قلت: وعلى هذا لم تكن الصلاة من خصائص هذه الأمة، وفيه: أن صلاتهم كانت بركوع دون سجود، فالسُّجود من خصائص هذه الأمة، كما حقَّقه شيخ مشايخنا الفاضل الرحمتي في «حواشي الدر المختار»، قلت: والجمهور على أنَّه السُّجود؛ لأنَّ الركوع كان في شريعة موسى ﵇، ومما اختص به نبينا الأعظم ﷺ مجموع الصلوات الخمس، ولم تجتمع لأحد من الأنبياء غيره، فإنَّ الأمم السالفة كانت تصلي عند الطلوع وعند الغروب فقط، وتمامه في «شرحنا على القدوري»، (﴿عَلَى المُؤْمِنِينَ﴾)؛ أي: مفروضة على جميع المكلفين، فهي فرض عين على كلِّ مكلَّف بعينه، وهو المسلم البالغ العاقل ذكرًا كان أو أنثى حرًا كان أو عبدًا، وفيه: دليل على أنَّ الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، وفيه خلاف، فعند الإمام الأعظم ﵁: هم مخاطبون بها، وهو قول مالك وأكثر أصحابه، وعند الإمامين أبي يوسف ومحمَّد بن الحسن غير مخاطبين، وبه قال الشَّافعي، (﴿كِتَابًا﴾): مصدر بمعنى المفعول؛ أي: مكتوبًا مفروضًا، (﴿مَوْقُوتًا﴾) [النساء: ١٠٣]؛ أي: موجبًا مفروضًا، قاله ابن عبَّاس، ووافقه مجاهد وغيره، فـ ﴿مَوْقُوتًا﴾ تأكيد لـ ﴿كِتَابًا﴾، وقيل: معناه: محدودًا، كما سيأتي، يعني: أن الصلاة فريضة من الله مفروضة لأوقات معلومة، كلما مضى وقت واحدة؛ جاء وقت واحدة أخرى، ليست كالصوم الذي هو مفروض في السنة مرة واحدة، والحج الذي هو مفروض العمر مرة واحدة، وذلك لتأكُّدها وجلالة أمرها، ولهذا كانت فارقة بين المسلم والكافر.
وثبوتها: بالكتاب، والسنة، والإجماع، فيكفر جاحدها، وتاركها عمدًا تكاسلًا فاسق؛ يحبس حتى يصلي؛ لأنَّه يحبس لحقِّ العبد، فحقُّ الحقِّ أحقُّ، لا يقال: إنَّ حقَّه تعالى مبنيٌّ على المسامحة؛ لأنَّا نقول: لا تسامح في شيء من أركان الإسلام، وقال الإمام المحبوبي: لو تركها تكاسلًا؛ يضرب حتى يسيل منه الدم، وهو ظاهر المذهب، وكذا الذي يفطر في رمضان يُحبَس حتى يُحدِثَ توبة، هذا مذهب الإمام الأعظم والجمهور، وقال مالك والشَّافعي وأحمد: إذا أقرَّ بها، وتركها تكاسلًا؛ يقتل، قيل: حدًّا، وقيل: كفرًا، وقد نظم ذلك بعض الأفاضل فقال وأجاد:
في حكم من ترك الصلاة وحكمه... إن لم يقر بها كحكم الكافر
فإذا أقر بها وجانب فعلها... فالحكم فيه للحسام الباتر
وبه يقول مالك والشَّافعي... والحنبلي تمسُّكًا بالظَّاهر
وأبو حنيفة لا يقول بقتله... ويقول بالحبس الشديد الزاجر
المسلمون دماؤهم معصومة... حتى تراق بمستنيرٍ باهر
مثل الزنى والقتل في شرطيهما... وانظر إلى ذاك الحديث الساخر
هذي مقالات الأئمة كلهم... وأصحها ما قلته (^٢) في الآخر
أي: وهو قول الإمام الأعظم إمام الأئمة ورأس المجتهدين.
والحسام: السيف، فإنَّ دم المسلم معصوم، ولا يخرجه من الإسلام إلا جحود ما أدخله فيه، ولم يوجد دليل على جواز قتل المسلم التَّارك لها تكاسلًا لا من الكتاب ولا السنة غير أنَّ فيهما التأكيد على الفرضية؛ فافهم.
وروى القاضي إسماعيل في «أحكامه» في هذه الآية من طريق حمران عن عثمان مرفوعًا: «من علم أن الصلاة عليه حقًّا يقينًا مكتوبًا؛ دخل الجنة»، فهذا يدل على أنَّه يدخل الجنة بمجرد علمه بذلك وإن تركها تكاسلًا.
ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها الشرعي بغير عذرٍ شرعيٍّ أصلًا في أيِّ حالٍ كان، ولو كان في حال الخوف، ووجود العدو، والتحام الحرب، فليس ذلك بعذر، ولهذا شرعت صلاة الخوف، هذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه الإمام أبي يوسف والإمام محمَّد بن الحسن، وكافَّة أصحابه، ومن يقول بقوله، وهو مذهب العلماء كافَّة، كما هو مسطور في كتب المذهب المعظَّم.
وزعم العجلوني أن عند الإمام أبي يوسف يجوز تأخير الصلاة عن وقتها عند التحام الحرب، فيصليها قضاءً عند الاطمئنان، انتهى.
قلت: وما زعمه فاسد الاعتبار يجب الإعراض عنه، فإن الإمام أبا يوسف لا يقول بذلك أصلًا، ولم ينقل أحد من علماء المذهب عنه ذلك أصلًا، غير أنَّ الإمام فخر الدين الزيلعي في «شرحه على الكنز» ذكر عنه روايتين في صلاة الخوف، هل هي مشروعة في زماننا أم خاصَّة في زمن النَّبي الأعظم ﷺ؟ فروي عنه: أنها مشروعة في زماننا وهي المشهورة عنه، وفي رواية أخرى: أنها ليست بمشروعة في زماننا، وهي رواية شاذة، واستدل لها بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فهو خطاب للنبي الأعظم ﷺ على الخصوص، والمعنى: أنهم يتحرون الصلاة خلفه ﵇، وزال ذلك حين قبض ﵇، فانتسخ، ولم يذكر هذه الرواية غيره، فهي شاذة، وعليها فإنَّه لا يقول بترك الصلاة، بل يؤدُّون الصلاة ركبانًا فرادى بالإيماء أو رجالًا واقفين إلى أيِّ جهة قَدرُوا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، على أنَّ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] يدلُّ على أنَّ حالة الخوف لا تصحُّ الصلاة.
هذا وقد ترك النَّبي الأعظم ﷺ أربع صلوات في غزوة الأحزاب، وقال: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، ملأ الله قبورهم نارًا»، كما ثبت ذلك في «الصَّحيحين»، والله تعالى أعلم، وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في محلِّه، فما زعمه باطل.
وكذا ما زعمه البيضاوي من نسبة ذلك للإمام الأعظم؛ خطأ ظاهر يجب الإعراض عنه، فإنَّ هذه مجازفة وبهتان عظيم على إمام أئمة المسلمين ورأس المجتهدين رضي الله تعالى عنه.
ثم إنَّ البخاري فسَّر قوله تعالى: ﴿مَوْقُوتًا﴾ بقوله: (وقَّته عليهم)؛ أي: وقَّت الله الكتاب-أي: المكتوب- الذي هو الصلاة عليهم؛ أي: على المسلمين، وليس هذا بإضمار قبل الذكر؛ لوجود القرينة، ووقع في أكثر الروايات: (موقوتًا موقَّتًا وقَّته عليهم)، وليس في بعض النُّسخ لفظ (موقَّتًا)؛ يعني: بالتشديد.
واستشكل ابن التين تشديد القاف من (وقَّته) وقال: المعروف في اللُّغة التخفيف.
قلت: ليس فيه إشكال؛ لأنَّه قد جاء في اللُّغة: (وقَّته)؛ بالتشديد، و(وقَته)؛ بالتخفيف، فكأنَّه ما اطلع على ما في «المحكم» وغيره، كذا قرره إمامنا الشَّارح، لا يقال: مراد ابن التين: أن التخفيف هو المشهور لغة، والتشديد قليل، لأنا نقول: إنَّه خلاف المفهوم من كلامه، على أنَّه غير مسلَّم له قلَّة التشديد؛ لذكرهما في كتب اللُّغة كثيرًا على السواء؛ فافهم.
وزعم ابن حجر أن قوله: (موقَّتًا): بيان لقوله: ﴿مَوْقُوتًا﴾.
وردَّه الشَّارح بأنَّ هذا كلام واهٍ، وليس في لفظ ﴿مَوْقُوتًا﴾ إيهام حتى يبيِّنه بقوله: (موقَّتًا)، وعن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿مَوْقُوتًا﴾؛ يعني: مفروضًا، وقيل: يعني: محدودًا، انتهى.
واعترضه العجلوني بأن ﴿مَوْقُوتًا﴾ جاء بمعنى: مفروضًا، وبمعنى: محدودًا، والمراد: الثاني؛ لئلا يتكرر مع ﴿كِتَابًا﴾، وهذا اعتراض على البخاري أيضًا، انتهى.
قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ ﴿مَوْقُوتًا﴾؛ معناه: مفروضًا عند الجمهور من المفسِّرين وغيرهم، وكونه جاء بمعنى محدودًا عند البعض -وهو شاذٌّ- لا يعتمد عليه؛ لأنَّه مخالف للجمهور من أهل التفسير واللُّغة وغيرهم، فلا يعتدُّ به، على أنَّه المراد: المفروض، لا كما زعمه؛ لأنَّه يكون تأكيدًا لـ ﴿كتابًا﴾، والمقام يقتضي التأكيد والحث عليها، فناسب هذا المعنى بذلك، فلا يكون تكرارًا.
وأمَّا المحدود؛ فلا معنى له في ذلك، على أنَّه لم يذكر أحد من العلماء أنَّ المراد: المحدود، وهذا يتوجه على القائل به سواء كان البخاري أم غيره؛ فافهم.
ونقل ابن رجب عن الشَّافعي: أنَّ ﴿مَوْقُوتًا﴾ معناه: الوقت الذي تصلى فيه وعددها، انتهى.
قلت: بيان الأوقات لم يثبت بهذه الآية، ولم يتعرض أحد لهذا المعنى وهو غريب، وكذا قوله: (وعددها)، فمن أين ظهر العدد؟ ولهذا قال العجلوني: لعله أخذ العدد بِضَربٍ
(^١) في الأصل: (هتاخ)، وليس بصحيح.
(^٢) في الأصل: (قتله)، وهو تحريف.
من التجوز، وهو نقل غريب، انتهى.
[حديث: مواقيت الصلاة وفضلها]
٥٢١ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن مَسْلَمَة)؛ بفتحات: هو القعنبي المدني (قال: قرأت على مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن ابن شهاب) هو محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني: (أنَّ) بفتح الهمزة (عمر بن عبد العزيز) هو ابن مروان الأموي، أمير المؤمنين، وأحد الخلفاء الراشدين المهديين، ويقال له: الأشج، ولُقِّب بذلك؛ لِشَجَةٍ كانت بجبينه، وقد عُبِّر عنه وعن يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بقولهم: الأشج والناقص أعدلا بني مروان؛ أي: عادلاهم، فالأشج: هو عمر ﵁، والناقص: هو يزيد، لقب به؛ لأنَّه نقص أرزاق الجند، توفي عمر في خامس وعشرين رجب سنة إحدى ومئة، قيل: بدير سمعان بحمص، وقيل: بدمشق بمحلة القنوات، وتقدم أول كتاب (الإيمان)، (أخَّر الصلاة يومًا): هي صلاة العصر، كما رواه المؤلف في (بدء الخلق) من طريق اللَّيث عن ابن شهاب قال: (أخَّر العصر شيئًا)، ويدلُّ عليه قول عروة الآتي: (ولقد حدثتني عائشة...)؛ الحديث.
قال إمامنا الشَّارح: و(يومًا)؛ بالتنكير ليدلَّ على التقليل، ومراده: يومًا ما، لا أن ذلك كان سجيته؛ كما كانت ملوك بني أمية تفعله لا سيما العصر، فقد كان الوليد بن عقبة يؤخرها في زمن عثمان ﵁، وكان أبو مسعود ينكر عليه، وقال عطاء: أخَّر الوليد مرة الجمعة حتى أمسى، وكذا كان الحجاج يفعله، انتهى، وكذلك قال ابن عبد البر: إن عمرما فعل ذلك إلا يومًا لا أنَّه عادته، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب: أنَّه أخَّر الصلاة مرَّة يعني: العصر.
وزعم ابن حجر أنَّه كان يرى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد، وكذا عمل المغيرة وغيره من الصَّحابة، انتهى.
قلت: لا يخفى أن المغيرة وعمر وغيرهما من الصَّحابة كانوا يرون المفاضلة؛ لأنَّهم أشدُّ اتباعًا لرسول الله ﷺ، والظنُّ بهم خلاف ذلك افتراء ومخالفة للنبي الأعظم ﷺ، ولكن إنَّما تطلب المفاضلة إذا كان الرجل غير مشغول بأمر مهم، أمَّا المشغول بأمور مهمَّة؛ كمعاشه والسعي على عياله، لا سيما عمر ﵁؛ فإنَّه مشغول بأمور المسلمين وتدبير أحوالهم؛ فلا ريب أن ذلك غير مطلوب في حقه؛ لأنَّ درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح؛ فافهم.
ثم قال إمام الشَّارحين: وأمَّا عمر بن عبد العزيز؛ فإنَّه قد أخَّرها عن الوقت المستحب المُرغَّبِ فيه لا عن الوقت، ولا يعتقد ذلك فيه؛ لجلالته، وإنكار عروة عليه إنَّما وقع؛ لتركه الوقت الفاضل الذي صلى فيه جبريل ﵇، وما رواه الطَّبراني عن ابن شهاب في هذا الحديث قال: (دعا المؤذن لصلاة العصر، فأمسى عمر بن عبد العزيز قبل أن يصلِّيها)، فمعناه: أنَّه قارب المساء لا أنَّه دخل فيه، انتهى، وكذلك قال ابن عبد البر: المراد: أنَّه أخَّرها حتى خرج الوقت المستحب، لا أنَّه أخرها حتى غربت الشمس، انتهى.
وزعم العجلوني أن هذا متعين في حق الصَّحابة بخلاف غيرهم؛ فلا مانع أن عمر أخرها حتى خرج الوقت بالكلية لا سيما وهو كان أميرًا على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك، والناس على دين ملوكهم، وكان ذلك عادة بني أمية، انتهى.
قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ فإن عمر ﵁ قد أجمع العلماء على عدالته وجلالته وعلو قدره، وقد شهد النَّبي الأعظم ﷺ كما في الحديث الصَّحيح: أن خير القرون قرنه ثم الذين يلونهم، فلا ريب أن عمر تابعي كان في عصر الصَّحابة، وقد شهد لهم ﵇ بالخيرية، فكيف يظن به ذلك؟! على أنَّه قد وقع عليه نظر الصَّحابة ﵁، وبه كفاية، فقد منع مما زعمه هذا القائل موانع، ولا يلزم من كونه أميرًا من قبل الوليد أن يكون يؤخر الصلاة عن وقتها مثله، ألا ترى أن معاوية بن يزيد قد أجمعت الأمة على فضيلته، وعلو درجته، وكثرة عبادته، وزهده، وأجمعت على قبح أبيه ولعنه وطرده، وكون الناس على دين ملوكهم؛ هذا ليس بحديث، بل هو مَثَلٌ جارٍ على ألسنة الناس، فلو كان كما ذكر؛ فقد انتفت الخيرية في هذه الأمة، وقد أثبتها النَّبي الأعظم ﷺ بقوله: «الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة»، كما ثبت في «الصَّحيحين»، ولا يلزم من كون عادة بني أمية تأخير الصلاة أن يكون هو مثلهم، ويدل على ما قلناه قوله هنا: (يومًا)، وفي «بدء الخلق»: (شيئًا)، فإنَّه قد أتى بهما بالتنكير وهو يدل على التقليل؛ فعلى الأولى أن التأخير وقع مرة واحدة، وعلى الثانية وقع يسيرًا؛ لقوله: (شيئًا)؛ يعني: أخَّر الصلاة تأخيرًا يسيرًا، وهذا لا يبلغ خروج الوقت، بل أخَّرها عن الوقت المستحب، هذا هو الصَّواب، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم؛ فإنَّه قد كان سالكًا مسلك جدِّه من الأمهات عمر بن الخطاب في هديه، ورشده، وشدته في الدين، وزهده المتين، ولم ينقصه أحد في عبادته غير هذا القائل، فقد زاد في الطنبور نغمات ووقع في الهفوات، وخاض الذلات، اللهم احفظ ألسنتنا عن الخوض في عبادك الصالحين، وارزقنا الأدب في حقهم، وحقق في قلوبنا حبهم يا أرحم الراحمين.
وزعم ابن حجر في باب (تضييع الصلاة) أنَّه كان على طريقة أهل بيته حتى أخبره عروة بذلك، انتهى.
قلت: وهذا فاسد وواهٍ؛ لأنَّه مقول بغير دليل ولا مستند؛ فهو مردود؛ لأنَّه من أين علم ذلك؟ فهل أخبره بذلك جبريل أو إبليس؟! وعمر ﵁ إذا غفل عن قول عروة لم يغفل عن قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ فإنَّه كان أعلم من غيره بكثير في معاني القرآن والسنة، فهذا القائل قد خاض ووقع في الذلات، والله أعلم.
(دخل عليه) أي: على عمر ﵁ (عُروة بن الزُّبير)؛ بِضَمِّ العين في الأول والزاي في الثاني: هو ابن العوام المدني، (وأخبره أن المُغيرة بن شُعبة)؛ بِضَمِّ الميم والشين المعجمة، الصَّحابي الجليل تقدم في آخر (الإيمان) (أخر الصلاة يومًا) هي العصر، كما رواه عبد الرزاق، والمراد: أنَّه أخرها عن وقتها المستحب المرغب فيه لا أنَّه أخرها حتى غربت الشمس، ويدل عليه قوله: (يومًا)، فإنَّه نكَّره، والتنكير يدل على الندرة والمرة الواحدة، وقوله: (أخر)، فإنَّه يدل على ما قلنا؛ لأنَّه لو كان المراد الثاني؛ لقال: أخرج، وهذا يدل لما قدمناه أيضًا؛ فليحفظ، (وهو بالعراق): جملة اسمية وقعت حالًا من المغيرة مقرونة بالواو، وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قبل معاوية بن أبي سفيان ﵄، والمراد به: عراق العرب؛ وهو من عبادان إلى الموصل طولًا، ومن القادسية إلى حلوان عرضًا، وفي رواية القعنبي وغيره عن مالك: (وهو بالكوفة)، وكذا أخرجه الإسماعيلي، والكوفة من جملة العراق العربي، كذا قرره إمامنا الشارح، قلت: فالتعبير (بالكوفة) أخص من التعبير (بالعراق)؛ لأنَّها من جملته، وقال في «القاموس»: سميت بها؛ لتراسخ عراق النخل والشجر فيها، أو لأنَّه استكفى أرض العرب، أو سمي بعراق المزادة؛ لجلدة تجعل على طرفي ملتقى الجلد إذا خرز في أسفلها؛ لأنَّ العراق بين الريف والبر، أو لأنَّه على عراق دجلة والفرات؛ أي: شاطئهما، أو معرب (إيران) اسم لشهر قبطي؛ ومعناه: كثرة النخل والشجر، والعراقان: الكوفة والبصرة، انتهى.
(فدخل عليه) أي: على المغيرة بن شعبة (أبو مسعود) هو كنية عقبة بن عمرو البدري الأنصاري الصَّحابي، تقدم في آخر (الإيمان)، (فقال) أي: أبو مسعود (للمغيرة) أي: ابن شعبة المذكور: (ما هذا) استفهام توبيخي؛ أي: أي شيء هذا التأخير الذي وقع منك (يا مغيرة؟)، وقوله: (أليس قد علمت): قال إمامنا الشَّارح: الرواية وقعت هكذا: (أليس)، وكان مقتضى الكلام أن يقول: (ألست)؛ بالخطاب، قال القشيري: الرواية جائزة إلا أن المشهور في الاستعمال: (ألست)؛ بالخطاب، انتهى، وقال البرماوي: الأفصح (ألست)، وزعم ابن حجر كذا الرواية وهو استعمال صحيح، لكن الأكثر في الاستعمال في مخاطبة الحاضر: (ألست)، وفي مخاطبة الغائب: (أليس)، انتهى، ونحوه للزركشي، وإمامنا الشَّارح لم يفصل هذا التفصيل، وقد علمت عبارته، فما زعمه العجلوني فاسد الاعتبار؛ فافهم.
واعترض صاحب «المصابيح» على ابن حجر بأنَّه يوهم جواز استعمال (^١) هذا التركيب مع إرادة أن يكون ما دخلت عليه ضمير المخاطب، وليس كذلك، بل هما تركيبان مختلفان، وليس أحدهما بأفصح من الآخر، فإنَّه يستعمل كل منهما في مقام خاص، فإن أريد إدخال (ليس) على ضمير المخاطب؛
(^١) في الأصل: (الاستعمال)، ولعل المثبت هو الصواب.
1 / 374