367

Asl al-Zarari Sharh Sahih al-Bukhari - Manuscript

أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط

Yayıncı

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Yayın Yeri

https

الأكبر ﵄، (قال)؛ أي: إن مسروقًا قال: (ذُكِر)؛ بِضَمِّ الذَّال مبني للمفعول (عندها) أي: بحضرة عائشة (ما يقطع) أي: يبطل (الصلاة)، وكلمة (ما) موصولة، ويجوز فيها وجهان؛ أحدهما: أن يكون مبتدأ وخبره قوله: (الكلب) والجملة محلها النصب مفعول ما لم يسم فاعله؛ وهو (ذُكِر) على صيغة المجهول، وثانيهما: أن يكون (ما) مفعول ما لم يسم فاعله، ويكون قوله: (الكلب) بدلًا منه، أفاده الشَّارح، (الكلبُ)؛ بالرفع، كما ذكرنا، ويجوز أن يكون (الكلب) فاعلًا لفعل محذوف، يدل عليه رواية علي بن مسهر: (ذكر عندها ما يقطع الصلاة فقالوا: يقطعها الكلب) (والحمار والمرأة)؛ بالرفع فيهما، وزعم العجلوني أنه يجوز نصب (الكلب) وما بعده مفعول لمحذوف نحو: فذكروا الكلب، وقد صرح بهذا الفعل في بعض الأصول الصَّحيحة، انتهى.
قلت: الروايات الصَّحيحة كما ذكرنا، وما زعمه إن ساعدته الرواية؛ فله وجه، وكون الفعل مصرَّحًا به؛ الله أعلم به؛ لأنا لم نر أحدًا من الشراح قد ذكر هذا؛ فتدبر، والذاكرون عندها هم ابن أختها عروة، وأبو هريرة، وأبو ذر، وابن عبَّاس ﵃؛ لما في «مسلم» من طريق عروة: (قالت عائشة: ما يقطع الصلاة؟ قال: قلت: المرأة والحمار...)؛ الحديث، وفي «ابن عبد البر» من رواية القاسم قال: بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول: إن المرأة تقطع الصلاة، وحديث أبي ذر عند مسلم، وحديث ابن عبَّاس عند ابن ماجه؛ فليحفظ.
(قالت) أي: عائشة ﵂: (شبهتمونا بالحمير والكلاب؟!)؛ بالجمع فيهما، ورواه مسلم عنها بلفظ: (قالت: عدلتمونا بالكلاب والحمير؟!)، وهما بمعنًى، وتقدم من طريق علي بن مسهر بلفظ: (جعلتمونا كلابًا؟!) وهو تشبيه بليغ، وخطابها إنَّما كان لابن أختها عروة، ولأبي هريرة، ولأبي ذر، وابن عبَّاسرضي الله عنه، كما دلت عليه الروايات السَّابقة.
قال ابن مالك: في هذا دليل على جواز تعدي المشبه به بالباء، والمشهور تعدية مشبه إلى مشبه ومشبه به بدون باء، كقول امرئ القيس:
فشبهتهم في الآل لما تكمشوا... حدائق دوم أو سفينًا مُقيرًا
وقد كان بعض المعجبين يخطِّئ سيبويه وغيره في قولهم: شبه كذا بكذا، وليس زعمه صحيحًا، بل سقوط الباء وثبوتها جائزان، وسقوطها أشهر في كلام القدماء، وثبوتها لازم في عرف العلماء المتأخرين، انتهى.
وأخرج الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي هذا الحديث من سبع طرق صحاح، وروى مسلم، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم يصلي؛ فإنَّه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل؛ فإنَّه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود» قلت: يا أبا ذر؛ ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر ومن الكلب الأصفر؟ قال: يا بن أخي؛ سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: «الكلب الأسود شيطان»، وأخرجه الأربعة أيضًا مختصرًا ومطولًا، وقيَّد الكلب في روايته بالأسود.
وروى ابن ماجه من حديث ابن عبَّاس عن النَّبي الأعظم ﷺ قال: «يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض»، وقيَّد المرأة بالحائض في روايته، فهذا يدل على أنَّ الكلب الأسود والمرأة الحائض والحمار يقطع الصلاة، وهو مروي عن أنس، ومكحول، وأبي الأحوص، والحسن، وعكرمة، وعن عكرمة: (يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والخنزير، والمرأة، واليهودي، والنصراني، والمجوسي)، وعن عطاء: (لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود والمرأة الحائض)، وقال أحمد ابن حنبل: (يقطع الصلاة الكلب الأسود والبهيم)، وعنه: (يقطعها أيضًا الحمار والمرأة)، وقال الظَّاهرية: يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والمرأة؛ للحديث المذكور.
وقال الأئمة الحنفية وتبعهم المالكية والشَّافعية: إنَّه لا يقطع الصلاة الكلب الأسود، ولا الحمار، ولا المرأة ولو حائضًا؛ لما رواه البخاري عن ابن عباس قال: (أقبلتُ راكبًا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الحُلم ورسول الله ﷺ يصلي بالناس يمضي إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف؛ فلم ينكر ذلك عليَّ أحد)، وأخرج أيضًا عن عون بن أبي جحيفة قال: (سمعت أبي يحدث أن رسول الله ﷺ صلى بهم بالبطحاء -وبين يديه عنزة- الظُّهر ركعتين والعصر ركعتين يمر بين يديه المرأة والحمار)، وكذلك حديثي الباب، وأخرج أبو داود عن الفضل بن عبَّاس قال: (أتانا رسول الله ﷺ ونحن في بادية ومعه ابن عبَّاس فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه فما بال ذلك؟)، وأخرجه النسائي أيضًا، وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم؛ فإنما هو شيطان»، وروى الدارقطني عن ابن عمر مثله، وأبي أمامة وأنس نحوه، وروى الطَّبراني في «الأوسط» عن جابر نحوه.
فإن قلت: حديث أبي سعيد، وابن عمر، وأبي أمامة، وأنس ﵃ زعم ابن الجوزي أنَّه لا يصح منها شيء، وزعم ابن حبان أنه لا يحل الاحتجاج بها.
قلت: نصَّ الحفاظ وغيرهم أنَّه لا عبرة بوضع ابن الجوزي فإنَّه متعصِّب، ومثلهابن حبان، على أنَّه قد رويت بطرق مختلفة عن عدة صحابة وبه تتقوى وترتقي، وليس يتعين علينا الاستدلال بها، بل يكفينا ما روى البخاري.
وقال النَّووي: (وتأوَّل الجمهور القطع المذكور على قطع الخشوع جمعًا بين الأحاديث) انتهى.
قلت: وفيه نظر لأنَّ الخشوع ليس بشرط في الصلاة، ولا يلزم الجمع؛ لأنا نقول: أحاديث الجمهور أقوى وأصح من أحاديث من خالفهم، والأخذ بالأقوى أولى؛ فافهم، فإن حديث ابن عبَّاس صريح في الاستدلال؛ لأنَّ حماره قد مرَّ بين يدي النَّبي الأعظم ﷺ، كما رواه البزار، ودل حديث عائشة المذكور على أنَّ المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، وكذلك دل حديث أم سلمة وميمونة بنت الحارث،؛ فأخرج الإمام الطَّحاوي حديث أم سلمة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: (كان يُفرَش لي حِيَال مُصلَّى رسول الله ﷺ كان يصلي وإني حياله)، وأخرجه أحمد في «مسنده»، وأخرج الطَّحاوي حديث ميمونة عن عبد الله بن شداد قال: حدثتني خالتي ميمونة بنت الحارث قالت: (كان فراشي حِيَال مُصلَّى رسول الله ﷺ فربما وقع ثوبه عليَّ وهو يصلي)، وأخرجه أبو داود ولفظه: (كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض، وربما أصابني ثوبه إذا سجد، وكان يصلي على الخُمرة)، والمصلَّى؛ بفتح اللَّام؛ وهو الموضع الذي كان يصلي فيه النَّبي الأعظم ﷺ في بيته، وهو مسجده الذي عينته للصلاة فيه، والخُمرة؛ بِضَمِّ الخاء المعجمة: حصير صغير يُعمَل من سعف النخل وينسج بالسيور والخيوط، وهي على قدر ما يوضع عليه الوجه والأنف.
فإن قلت: ما استدل به الجمهور مطلق، وحديث القطع مقيدن وهو يقضي على المطلق.
قلت: أجاب الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي فقال: قد تواترت الآثار عن رسول الله ﷺ بما يدل على أنَّ بني آدم لا يقطعون الصلاة، وقد جعل كل مار بين يدي المصلي شيطانًا في حديثي ابن عمر وأبي سعيد، وأخبر أبو ذر: أن الكلب الأسود إنَّما يقطع الصلاة؛ لأنَّه شيطان، فكانت العلة التي لها جعلت لقطع الصلاة قد جعلت من بني آدم أيضًا، وقد ثبت عن النَّبي الأعظم ﷺ: أنهم لا يقطعون الصلاة، فدل على أنَّ كل مار بين يدي المصلي سوى بني آدم كذلك أيضًا لا يقطع الصلاة، والدليل على صحة ما ذكرنا: أن ابن عمر مع روايته ما ذكرنا عنه ﵇ قد روي عنه من بعده: حدثنا يونس: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم قال: قيل لابن عمر: إن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة يقول: (يقطع الصلاة الكلب والحمار)، فقال ابن عمر: (لا يقطع
صلاة المسلم شيء)، فقد دل هذا على ثبوت نسخ ما كان سمعه من رسول الله ﷺ حتى صار ما قال به أولى عنده من ذلك، انتهى.
وزعم ابن حجر: وتعقب بأنَّ النَّسخ لا يصار إليه إلا إذا علم التاريخ وتقدر الجمع، والتاريخ هنا لم يتحقق والجمع لم يتعذر، انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: لا نسلم ذلك؛ لأنَّ مثل ابن عمر ﵄ بعدما روي عنه: أن المرور يقطع قال: لا يقطع صلاة المسلم شيء، فلو لم يثبت عنده نسخ ذلك؛ لم يقل بما قال: من عدم القطع، ومن الدليل على ذلك: أن ابن عبَّاس الذي هو أحد رواة القطع روي عنه: أنَّه حمله على الكراهة؛ قال البيهقي: روى سماك عن عكرمة: قيل لابن عبَّاس: أتقطع الصلاة المرأة، والكلب، والحمار؟ فقال: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفع، فما يقطع هذا، ولكن يكره، انتهى.
وقال الإمام الحافظ الطَّحاوي: وقد روي عن نفر من أصحاب رسول الله ﷺ: أن مرور بني آدم وغيرهم بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة، ثم أخرج عن سعيد بن المسيب بإسناد صحيح: أن عليًا وعثمان رضي الله عنهماقالا: لا يقطع صلاة المسلم شيء وادرؤوا ما استطعتم، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة، وأخرج الطَّبراني من حديث عَلِيٍّ مرفوعًا: «لا يقطع الصلاة شيء إلا لحدث» انتهى.
وقال الشَّافعي: تأول القطع بنقص الخشوع، قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الخشوع في الصلاة غير شرط اتفاقًا.
وقال بعضهم: حديث أبي ذر مقدَّم؛ لأنَّ حديث عائشة على أصل الإباحة، قلت: وهذا مبني على أنَّ حديث عائشة ناسخ لحديث أبي ذر؛ لأنَّه متأخر عنه، كما حققه الحافظ الطَّحاوي.
وزعم العجلوني أن قول بعضهم مبني على أنَّهما متعارضان ولا تعارض؛ لإمكان الجمع بنقص الخشوع.
قلت: ما زعمه فاسد الاعتبار فإن ظاهر اللفظ يدل على أنَّ هذا مبني على النَّسخ لا على التعارض؛ لأنَّ قوله: (حديث أبي ذر مقدَّم) يعلم منه حقيقة أن حديث عائشة هو المتأخر، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، وما زعمه من عدم التعارض لإمكان الجمع؛ فاسد أيضًا؛ لأنَّ الجمع بنقص الخشوع باطل؛ لأنَّه غير شرط، كما ذكرنا، فالحق والصَّواب ماقلناه؛ فليحفظ.
فإن قلت: إنكار عائشة على من ذكر المرأة مع الحمار والكلب فيما يقطع الصلاة مع أنها روت الحديث عن النَّبي الأعظم ﷺ؛ كما رواه أحمد ابن حنبل، ولفظه: «لا يقطع صلاة المسلم شيء إلا الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة»، فقالت عائشة: يا رسول الله؛ لقد قُرِنَّا بذوات سوء.
قلت: إن عائشة لم تنكر الحديث ولم تُكذِّب أبا هريرة، وإنما أنكرت بقاء الحكم وعدم المصير إلى النَّسخ؛ لأنَّها كانت ترى نسخ الحكم، ولهذا قالت: (والله لقد رأيت) أي: بصرت (النَّبي) الأعظم، وللأصيلي: (رسول الله) ﷺ وجملة (يصلي): محلها نصب مفعول ثان؛ أي: النافلة ليلًا، ومع هذا كانت عائشة تكره أن يذكر المرأة مع الحمار والكلب؛ لشرفها وخستهما، ولهذا قالت: يا رسول الله؛ لقد قُرنَّا بذوات سوء؛ فافهم، وفي هذا دليل على جواز الحلف بدون استحلاف، وفيه: استحباب قيام الليل بالصلاة، والذكر، وتلاوة القرآن، ولو بحضرة أهله وهم نيام؛ لما في ذلك من الثواب الجزيل، اللهم وفقنا لما تحب وترضى، (وإنِّي)؛ بكسر الهمزة وتشديد النُّون، بعدها ياء المتكلم، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: (وأنا) (على السرير)، وفي رواية: (إلى السرير)؛ أي: عليه، فكلمة (إلى) بمعنى: على، وحروف الجر يستعار بعضها مكان بعض، كما لا يخفى على أولي الألباب، والجملة اسمية محلها نصب على الحال من عائشة، وكذلك قولها: (بينه وبين القبلة)؛ أي: أمامه بالقرب من موضع سجوده؛ جملة حالية، وقوله: (مضطجعةٌ)؛ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ تقديره: وأنا مضطجعة، وعلى هذا تكون الجملة أيضًا حالًا، ويجوز أن يكون (مضطجعةٌ)؛ بالرفعخبرًا لقوله: (وأنا) أو (إني)؛ أي: والحال أني مضطجعة على السرير، فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير مبتدأ، وأما وجه النصب في (مضطجعة)؛ فعلى أنَّه حال من عائشة أيضًا، ثم يجوز أن يكون هذان حالان مترادفين، ويجوز أن يكونا متداخلين، كذا حققه إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».
قلت: وكون (مضطجعةً) بالنصب رواية أبي ذر، والوجهان في «اليونينية».
والحاصل: أنه يجوز فيها وجهان: الرفع والنصب؛ فالرفع له وجهان، والنصب له وجه واحد؛ فافهم.
(فتبدوا)؛ أي: تظهر (لي الحاجة)، وفي «مسند السراج»: (فيكون لي حاجة)؛ أي: حاجة الإنسان ويحتمل الأعم منها، (فأكره)؛ بفتح الهمزة؛ أي: لا أحب (أن أجلس)؛ أي: مستقبل النَّبي الأعظم ﷺ، وذكر في باب (الصلاة على السرير): (فأكره أن أسنحه)، وفي باب (استقبال الرجل): (فأكره أن استقبله)، والمقصود من ذلك كله واحد، لكن باختلاف (^١) المقامات اختلفت العبارات، قاله الشَّارح، (فأؤذي)؛ بلفظ المتكلم من المضارع، وفاعله: الضمير فيه، وهو معطوف على (أجلس)، وقوله: (النَّبيَّ) الأعظم ﷺ؛ بالنصب مفعول (أؤذي)، وعند النسائي من طريق شعبة، عن منصور، عن الأسود، عن عائشة في هذا الحديث: (فأكره أن أقوم فأمر بين يديه)، قلت: وعلى هذا فالمراد بالإيذاء في حديث الباب: هو المرور بين يديه، وذلك لأنَّه ﵇ في مقام المناجاة لربه تعالى، فربما بمرورها يحصل له قطع ذلك، وسيأتي بقية الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
(فأنسلُّ)؛ بالرفع عطفًا على (فأكره) لا على (أجلس) ولا (فأؤذي)؛ لفساد المعنى؛ فتأمل، قاله العجلوني.
قلت: وفيه نظر؛ لأنَّه يجوز عطفه على (فأؤذي) وعليه فالمعنى به صحيح؛ لأنَّ وجه انسلالها عدم إيذائه ﵇، وكذا يجوز عطفه على (أجلس) والمعنى به صحيح؛ لأنَّ علة انسلالها هو عدم جلوسها؛ لعدم إيذائها النَّبي الأعظم ﷺ، لكن فيه تكلف، وإلى هذا أشار العجلوني بالتأمل.
فالحاصل: أن (فأنسل) يجوز فيه الرفع والنصب؛ ومعناه: أي: أمضي بتأنٍّ وتدريج وخفية ورفق، وفي رواية الطَّحاوي وكذا المؤلف: (فأنسل انسلالًا) (من عند رجليه)؛ بالتثنية؛ أي: من جهتهما، فإذا كانت المرأة لا تقطع الصلاة مع أن النفوس تشتغل بها أكثر، فغيرها من الكلب والحمار بالطريق الأولى، وروى الشيخان عن عروة عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة)، وفي رواية: (وأنا حذءاه)، وفي أخرى: (وأنا حائض)، ولا يخفى أن اعتراض المرأة خصوصًا الحائض بين المصلي وبين القبلة لا يقطع الصلاة؛ فغيرها من الحمار والكلب بالأولى.
وزعم ابن حجر أن التشويش بالمرأة وهي قاعدة يحصل منه ما لا يحصل بها وهي راقدة من جهة الحركة والسكون، انتهى.
قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ المرأة سواء كانت قاعدة أو راقدة لا تشوش على المصلي، وليس بين القاعدة والراقدة فرق أصلًا، فإنَّه كما تتحرك القاعدة كذلك تتحرك الراقدة، فإن النائم لا ينام على جنب واحد طول نومه، بل ينقلب يمينًا وشمالًا، ويدل على [ما] قلناه أن عائشة قالت: (فأكره أن أجلس فأؤذي)، إنَّما كَرِهَت الجلوس؛ لأنَّه بجلوسها تستقبل وجهه ﵇، كما دلت عليه رواية باب (استقبال الرجل)، فإنَّها صرحت هناك بقولها: (فأكره أن أستقبله)، ومعلوم أن الاستقبال منهي عنه في حديث ما؛ فافهم.
ثم زعم ابن حجر أن الظَّاهر: أن عائشة إنَّما أنكرت إطلاق كون المرأة تقطع الصلاة في جميع الحالات لا المرور بخصوصه، انتهى.
قلت: الظَّاهر من حال عائشة: أنها أنكرت مساواة المرأة للحمار والكلب، وأنكرت حكم قطع

(^١) في الأصل: (اختلاف)، ولعل المثبت هو الصواب.

1 / 367