Asl al-Zarari Sharh Sahih al-Bukhari - Manuscript
أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط
Yayıncı
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Yayın Yeri
https
•
İmparatorluklar & Dönemler
Osmanlılar
Haşimi Şerifler (Mekke, Hicaz, Bereketli Hilal), 1253-1344 / 1827-1925
(أربِطه) بكسر الموحَّدة الخفيفة وضمها (إلى سارية) أي: مع سارية (من سوار المسجد)؛ أي: النَّبوي، فاللَّام للعهد، والسارية: الأسطوانة؛ أي: من أسطوانة من أساطين المسجد النَّبوي، قال القليوبي: وجملتها الآن مئتان وست وتسعون أسطوانة، انتهى، وقد زاد في عمارته السلطان عبد المجيد العثماني زيادة لم أرها، ونسأل الحنان المنان أن يرزقنا زيارة النَّبي الأعظم ﷺ بالصحة والأمان، آمين، (حتى تصبحوا)؛ أي: تدخلوا في الصباح، فهي تامة لا تحتاج إلى خبر (وتنظروا إليه) أي: إلى العفريت (كلُّكم) بالرفع تأكيد للضمير المرفوع.
قال إمام الشَّارحين: يحتمل أن يكون ربطه بعد تمام الصلاة، أو يربطه بوجه كان شغلًا يسيرًا، فلا تفسد به الصلاة، انتهى.
قال العجلوني: (والأرجح كون ربطه خارج الصلاة؛ لأنَّ ربطه بالسارية يحتاج إلى عمل كثير لا يسير كما قاله، على أنَّ في رواية النسائي السَّابقة أنَّها تدل على كثرة العمل؛ فتأمل) انتهى.
قلت: بل هما احتمالان، والأرجح أنَّه ﵇ أراد ربطه وهو في الصلاة، يدل عليه صريح لفظ الحديث؛ حيث قال: «فأمكنني الله منه فأردت...» إلخ، فأتى بالفاء المفيدة للتعقيب؛ يعني: أنَّه وقت إمكانه منه أراد ربطه؛ لأجل ألا يفر منه، فيفوت المقصود وهو نظرهم إليه.
وقوله: (لأنَّ ربطه...) إلخ: ممنوع؛ لأنَّه يحتمل أنَّه ﵇ كان قريبًا من السارية، أو أشار إليها لتقرب منه، وربطه لا يحتاج إلى عمل كثير؛ لأنَّ الكثير ما يستكثره الناظر، أو ما يفوَّض إلى رأي المصلي، والربط لا يكون كذلك، بل هو عمل يسير غير مفسد للصلاة، ورواية النسائي السَّابقة لا تدل على العمل الكثير؛ لأنَّه قال فيها: «فأخذته، فصرعته، فخنقته حتى وجدت برد لسانه»، فهي ظاهرة في أنَّها عمل يسير لا كثير، ويحتمل تعدد القصة، فكل رواية في قصة بانفرادها، وهو الأظهر، ويحتمل أنَّ على رواية النسائي يكون المعنى: فأخذته بيدي من رقبته حتى خنقته ووجدت برد لسانه، فهو عمل واحد يسير لا كثير كما زعمه؛ فليحفظ.
(فذكرت) أي: تذكرت (قول أخي) أي: في النُّبوة أو الدِّين (سليمان) هو ابن داود ﵉ الذي قال الله تعالى في حقه: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]؛ أي: مطيع رجَّاع، وسئل سفيان عن عبدين ابتلي أحدهما فصبر وأنعم على الآخر فشكر، فقال: كلاهما سواء؛ لأنَّ الله تعالى قد أثنى على عبدين أحدهما صابروالآخر شاكر ثناءًا واحدًا، فقال: في وصف أيِّوب: ﴿نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، وقال في وصف سليمان: ﴿نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ انتهى، قلت: وعلى هذا لا فضل للغني الشاكر على الفقير الصابر، بل هما في الفضل سواء، وفيه خلاف؛ والجمهور على أنَّ الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر؛ لأنَّ نفعه عام لنفسه ولغيره فهو أولى بالفضل، وأمَّا الفقير الصابر؛ فنفعه قاصر على نفسه فقط؛ فليحفظ: (﴿رب اغفر لي﴾)؛ أي: ذنبي، وهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين (﴿وهب لي﴾) [ص: ٣٥] كذا لأبي ذر، ولغيره: (رب هب لي) وإسقاط (﴿رب اغفر لي﴾) سوى ابن عساكر، فإنَّه رواه بلفظ (هب لي) فقط كما في (الفرع) و(أصله)، ووقع في رواية مسلم كرواية أبي ذر على نسق التلاوة.
قال ابن حجر: (والظَّاهر أنَّ غير رواية أبي ذر من تغيير بعض الرواة) انتهى.
قلت: وعليه فهو تصحيف من بعض الرواة، وليس كذلك؛ لأنَّ أكثر الرواة رووا: (ربِّ هب لي)، ولا يمكن اجتماع الجمهور على تصحيف الرواية، وكل راوٍ روى على ما سمعه فهذه الجرأة مذمومة؛ ولهذا قال الكرماني: (لعله ذكره على قصد الاقتباس من القرآن، لا على قصد أنَّه قرآن) انتهى، قلت: يعني: أنَّ رواية أبي ذر على قصد أنَّه قرآن، ورواية غيره على قصد الاقتباس من القرآن، وهذا ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم، ولا تغتر بما زعمه ابن حجر؛ لأنَّه صادر من غير تأمل؛ فليحفظ.
(﴿مِلكًا﴾) بكسر الميم مفعول ﴿هب﴾، وزعم العجلوني أنَّه بِضَمِّ الميم، قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ القاعدة عند المحققين أنَّ المُلك إذا أضيف لله تعالى بِضَمِّ الميم؛ كقوله: ﴿المُلْكُ اليَوْمَ (^١) لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وإذا أضيف إلى العبد بكسر الميم؛ كقولنا: الدار مِلك زيد؛ فليحفظ.
فإن قلت: كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا مع ذمها من الله تعالى وبغضه فيها وحقارتها لديه؟
قلت: هو محمول على أداء الحقوق لله تعالى وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، وظهور عبادته، ونظم قانون الحكم النافذ على خلقه منه، وتحقيق الموعود في أنَّه يعلم مالا يعلم أحد (^٢) من خلقه حسب ما صرح بذلك لملائكته؛ حيث قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وحاشى سليمان ﵇ أن يكون سؤاله طلبًا لنفس الدنيا؛ لأنَّه هو والأنبياء ﵈ أزهد خلق الله في الدنيا، وإنَّما كان سؤاله مملكتها لله تعالى؛ كما سأل نوح دمارها وهلاكها، وكانا محمودين مجابين إلى ذلك، فأجيب نوح فأهلك من عليها، وأعطي سليمان المملكة، وقد قيل: إنَّ ذلك كان بأمر من الله ﷿ على الصِّفة التي علم الله أنَّه لا يضبطه إلا هو وحده دون سائر عباده.
قال الحسن البصري: (ما من أحد إلا ولله عليه تبعة في نعمة غير سليمان فإنَّه قال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا..﴾ الآية [ص: ٣٩])، قلت: وهذا يردُّ ما رُوي في الخبر أنَّ آخر الأنبياء دخولًا الجنة سليمان بن داود؛ لمكان ملكه في الدنيا، وفي بعض الأخبار: يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفًا ذكره صاحب «القوت»، قلت: وقد نص الحفاظ الثقات أنَّ هذا الحديث باطل لا أصل له؛ لأنَّه سبحانه إذا كان عطاؤه لا تبعة فيه؛ لأنَّه من طريق المنة، فكيف يكون آخر الأنبياء دخولًا الجنة وهو سبحانه يقول: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٠]، ويدل عليه ما عند المؤلف في «الصَّحيح»: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته...»؛ الحديث، فجعل له من قبيل السؤال حاجة مقضية، فلهذا لم تكن عليه تبعة، والله تعالى أعلم.
(﴿لا ينبغي﴾) أي: لا يطلب (﴿لأحد من بعدي﴾)؛ أي: من البشر أو أعم؛ أي: أن يسأله فكأنَّه ﵇ سأل منع السؤال لأحد من بعده حتى لا يتعلق به أمل لأحد،
(^١) ﴿اليوم﴾: سقطت من الأصل.
(^٢) في الأصل: (أحدًا)، وليس بصحيح.
ولم يسأل منع الإجابة، وقيل: إنَّ سؤاله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده؛ ليكون محله وكرامته من الله ظاهرًا في خلق السماوات والأرض؛ لأنَّ الأنبياء ﵈ لهم تنافس في المحل عنده، فكل يحب أن تكون له خصوصية يستدل بها على محله عنده، ولهذا لما أخذ النَّبي الأعظم ﷺ العفريت المذكور، وأراد ربطه ثم تذكر قول أخيه سليمان؛ تركه مع القدرة عليه؛ حرصًا على إجابة الله دعوة سليمان وأنَّه مما اختص به، فلو أعطي أحد بعده مثله؛ ذهبت هذه الخصوصية، فكأنَّه ﵇ كره أن يزاحمه في تلك الخصوصية بعد أن علم أنَّه شيء هو الذي خص به من سحرة الشياطين، وأنَّه أجيب إلى ألا يكون لأحد بعده، والله أعلم؛ فليحفظ.
وقال القاضي عياض: (امتنع ﵇ من ربطه؛ إمَّا لأنَّه لم يقدر عليه؛ لأنَّه قد رده الله خاسئًا، وإما لأنَّه لما ذكر دعوة سليمان؛ لم يتعاطَ ربطه؛ لظنه أنَّه لا يقدر عليه أو تواضعًا وتأدبًا) انتهى.
قلت: يرد هذا ما جاء في رواية النسائي بقوله: «فأخذته، فصرعته، فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي»، وعند ابن أبي الدنيا: «فأخذت بحلقه، فوالذي بعثني بالحق؛ ما أرسلته حتى وجدت برد لسانه على يدي، ولولا دعوة أخي سليمان؛ لأصبح طريحًا في المسجد»؛ فافهم، وأجاب العلامة القاري: (إنَّما تركه إيماء لكونه معجزة مختصة بسليمان)، قلت: وهو الظَّاهر؛ فتأمَّل.
قال القسطلاني: (وزاد في حاشية «الفرع» و«أصله» بعد قوله: «﴿بعدي﴾» مما ليس عليه رقم أحد من الرواة: «﴿إنَّك أنت الوهاب﴾»).
(قال روح) هو ابن عبادة المذكور في سند الحديث دون رفيقه محمَّد بن جعفر، فهو موصول لا غير، كما قاله إمام الشَّارحين، وقد تردد الكرماني في كونه معلقًا أو موصولًا، قلت: ولا وجه لتردده، بل هو موصول قطعًا بدليل رواية البخاري في (أحاديث الأنبياء) عن محمَّد بن بشار عن محمَّد بن جعفر وحده، فزاد في آخره أيضًا: «فرددته خاسئًا»، وفي رواية مسلم: «فرده الله خاسئًا»، فعلى هذا دلَّ على أنَّ قوله: (قال روح) داخل تحت الإسناد، كما لا يخفى، ولعل الكرماني لم يطلع على ذلك؛ فافهم: (فرده) أي: رد النَّبيُّ الأعظم ﷺ العفريتَ حال كونه (خاسئًا)؛ أي: مطرودًا بعيدًا، وفي «الصِّحاح»: خسأت الكلب: طردته، وخسأ الكلب نفسه، يتعدى ولا يتعدى، ويكون الخاسئ بمعنى: الصاغر الذليل، وفي «المحكم»: (الخاسئ من الكلاب والخنازير والشياطين بالبعد: الذي لا يترك أن يدنو من الناس، وخسأ الكلب يخسأ خسئًا وخسوءًا، فخسأ وانخسأ، ويقال: أخسأُ إليك وأخسأْ عني) انتهى.
قلت: فعلى ما شرحنا يكون فاعل (رده) النَّبي الأعظم ﵇، ويؤيده رواية المؤلف في (الأنبياء) لكن عن محمَّد بن جعفر وحده: «فرددته خاسئًا»، ويحتمل أن يكون فاعل (رده) الله تعالى، ويؤيده رواية مسلم من طريق النضر عن شعبة بلفظ: «فرده الله خاسئًا»، قيل: وفي بعض النُّسخ هنا: (فرده الله خاسئًا)؛ فافهم.
قال إمام الشَّارحين: (وجه مطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «الأسير» ظاهرة، وأمَّا قوله: «والغريم»؛ فبالقياس عليه؛ لأنَّ الغريم مثل الأسير في يد صاحب الدين، ففي الحديث: دليل على إباحة ربط الأسير والغريم في المسجد، وعلى هذا بوَّب البخاري، ومن هذا قال المهلب: إنَّ في الحديث جواز ربط من خشي هروبه بحقٍّ عليه أو دين والتوثق منه في المسجد وغيره) انتهى.
وقال الخطابي: (فيه دليل على أنَّ رؤية البشر الجنَّ غير مستحيلة، والجن أجسام لطيفة، والجسم وإن لطف؛ فدركه غير ممتنع أصلًا، وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]؛ فإنَّ ذلك حكم الأعم الأغلب من أحوال بني آدم، امتحنهم الله بذلك وابتلاهم؛ ليفزعوا إليه، ويستعيذوا به من شرهم، ويطلبوا الأمان من غائلتهم، ولا ينكر أن يكون حكم الخاص والنادر من المصطفين من عباده بخلاف ذلك) انتهى، واعترضه الكرماني فقال: (لا حاجة إلى هذا التأويل إذ ليس في الآية ما ينفي رؤيتنا إياهم مطلقًا، إذ المفاد منها أنَّ رؤيته إيانا مقيدة بهذه الحيثية، فلا نراهم في زمان رؤيتهم لنا فقط، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت) انتهى، قلت: وقد تبعه البيضاوي؛ حيث قال: (ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة لا يقتضي امتناع رؤيتهم وتمثلهم لنا) انتهى، يعني: في بعض أحوالهم، وهو حال بقائهم على صورهم الأصلية؛ لأنَّ حديث الباب وغيره يدل على رؤيتهم، وهو جواب عنه؛ فافهم.
وقال الإمام جار الله الزمخشري في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ فيه دليل بيِّن على أنَّ الجن لا يُرون، ولا يظهرون للإنس، وأنَّ إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأنَّ زعْمَ من يدعي رؤيتهم زور ومخرقة) انتهى، واعترضه العجلوني فقال: (حديث الباب وغيره من الأحاديث يرده) انتهى، قلت: ما بلغ هذا رتبة الرد على مثل هذا الإمام؛ لأنَّ الآية صريحة فيما قاله، وأما الحديث وغيره؛ فليس فيه ردٌّ لما قاله؛ لأنَّ رؤية النَّبي الأعظم ﷺ العفريتَ خاص به دون غيره من أمته، كما أنَّ رؤيته الملائكةَ خاص به، يدل عليه أنَّه ﵇ لما خرج في جنازة بعض أصحابه؛ مشى على رؤوس رجليه، فسئل عن ذلك، فقال: «لازدحام الملائكة»، فأصحابه لم يروا الملائكة وقتئذٍ، وكذلك الجن؛ فإن رؤيتهم كانت خاصة به ﵇ دون غيره من الأُمَّة، ويدل على الخصوصية أنَّ أحدًا من أصحابه لم ير أحدًا منهم، إلا أنَّ إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وذلك لأنَّهم لا قدرة لهم على تغيير خلقهم والانتقال في الصور، وإنَّما يظهرون إذا فعلوا ضروبًا من الأفعال أو قرأوا كلمات علمهم الله إياها، إذا فعلوها أو تكلموا بها؛ نقلهم الله من صورة إلى صورة أخرى، ولا يمكن أن يصوروا أنفسهم؛ لأنَّ ذلك محال؛ لأنَّه يلزم منه نقض البُنية؛ وهو يستلزم تفريق الأجزاء؛ وهو يستلزم إبطال الحياة، فالصورة الحقيقية التي لهم لا ترى للأنس أصلًا، إنَّما يرى صورة أخرى كما ذكرنا، هذا معنى كلام الإمام جار الله، وقد خفي هذا على العجلوني حتى قال ما قال ولم يدر المقال؛ فافهم.
وفي «عمدة القاري»: (قال ابن بطال: ورؤيته ﵇ العفريتَ هو مما خُصَّ به كما خصَّ برؤية الملائكة، وقد أخبر ﵇: أنَّ جبريل ﵇ له ست مئة جناح، ورأى النَّبي ﵇ الشَّيطان في هذه الليلة، وأقدره الله عليه لتجسمه؛ لأنَّ الأجسام ممكن القدرة عليها، ولكنَّه ألقى في روعه ما وهب سليمان ﵇، فلم ينفِّذ ما قوي عليه من حبسه؛ رغبة عما أراد سليمان الانفراد به وحرصًا على إجابة الله دعوته، وأمَّا غير النَّبي ﵇ من الناس؛ فلا يُمكَّن منه، ولا يرى أحدٌ الشَّيطانَ على صورته غيره ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ...﴾؛ الآية، لكن يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين وجده في بيته في صورة حية فقتله، فمات الرجل به، وبيَّن النَّبي ﵇ ذلك بقوله: «إنَّ بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم من هذه الهوام شيئًا فآذنوه ثلاثًا، فإن بدا لكم؛ فاقتلوه»، رواه الترمذي والنسائي في «اليوم والليلة» من حديث أبي سعيد الخدري) انتهى، قلت: وهذا يؤيد ما قلناه آنفًا؛ فافهم.
وحديث الباب رواه مسلم، قال النَّووي في «شرحه»: فيه دليل على أنَّ الجن موجودون وأنَّهم قد يراهم بعض المؤمنين، وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ...﴾؛ الآية؛ فمحمول على الغالب، فلو كانت رؤيتهم محالة لما قال النَّبي ﵇
1 / 328