الإجماع أنه لا ينعقد (١)، وعدم انعقاده شيء، ومنع التّلفظ به شيء آخر، وفرق كبير بين المسألتين.
إلى ذلك فقد روى الشيخان وأحمد عن طلحة بن عبيد الله أن النّبي ﷺ: أتاه أعرابي فسأله مسائل ... فلما انصرف قال النّبي ﷺ: «أفلح وأبيه إن صدق» (٢).
واستدلوا لذلك بما جاء في القرآن من قسم بالنّبي ﷺ في قوله سبحانه:
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر: ١٥/ ٧٢].
وكذلك في قوله: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس: ٣٦/ ٢].
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا* فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا* فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا [الصّافّات: ٣٧/ ١ - ٣].
وَالذَّارِياتِ ذَرْوًا* فَالْحامِلاتِ وِقْرًا* فَالْجارِياتِ يُسْرًا [الذّاريات: ٥١/ ١ - ٣].
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ* وَطُورِ سِينِينَ* وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [التّين: ٩٥/ ١ - ٣].
ومثل ذلك في القرآن كثير، ولم يرد مخصص ظاهر في هذا السبيل، وفي حديث أبي العشراء قال ﷺ: «وأبيك .. لو طعنت في فخذها لأجزأك» (٣).
ولكن الفقهاء يرون أن المخصّص هو السّنة، فقد ثبت في الصحيحين أن النّبي ﷺ أدرك عمر بن الخطاب في ركب، وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله ﷺ: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» (٤)، وهذا حصر في عدم الحلف بكل شيء سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته.
وأجابوا عن قوله ﷺ: «أفلح وأبيه إن صدق» بأنه ورد قبل النهي عن الحلف بالآباء، وكذلك حديث أبي العشراء (٥).
(١) انظر موسوعة الفقه الإسلامي وأدلّته للدكتور الزحيلي ٣/ ٣٨٧.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الأيمان، الباب الثامن، حديث (٩)، وهو في طبعة دار المعرفة ٥/ ٨٠. وكذلك أخرجه أحمد في مسنده ١/ ١٦٢.
(٣) رواه أحمد بن حنبل ٤/ ٣٣٤، وأورده من رواية حماد بن سلمة ودون لفظ وأبيك، في الصفحة نفسها.
(٤) حديث صحيح أخرجه الجماعة إلا النّسائي عن ابن عمر. انظر نيل الأوطار للشوكاني ٨/ ٢٧٧.
(٥) انظر المغني لابن قدامة ٨/ ٦٧٨.