السيرة النبوية
السيرة النبوية
Bölgeler
Mısır
شخصية النبي ﷺ الباهرة العظيمة
أول سمة نلاحظها في السيرة النبوية هي: الشخصية الباهرة لرسول الله ﷺ، إنها فعلًا شخصية باهرة، هذه الشخصية ظلت محافظة على هذا الإبهار منذ الميلاد وإلى الممات، وهذا أمر في منتهى العجب لا يفسر إلا بكون هذا الرجل ﷺ رسولًا من رب العالمين ﷾، معصومًا من الآثام والشرور، لا أثر للشيطان عليه من قريب ولا بعيد، لا سبيل إلى غوايته بصورة من الصور ﷺ، هذه أعظم شخصية في تاريخ الخلق، ليس فقط في السابقين، ولكن إلى يوم القيامة، وليس فقط في عموم البشر بل في الأنبياء والمرسلين.
فرسول الله ﷺ لم يكن رسولًا فقط، بل كان حاكمًا وقائدًا وزعيمًا، ومع هذا عاش مع أصحابه وأتباعه كواحد منهم، ما فضل نفسه عليهم بطعام ولا بشراب ولا بسكن ولا بمال، تحمل معهم الأذى في كل موضع، وجاع معهم كما يجوعون بل أكثر، وتعب معهم كما يتعبون بل أشد، وحوصر معهم وهاجر وقاتل، بل كان أقربهم للعدو، ما فر يومًا في حياته لا في أحد ولا في حنين ولا في غيرهما، لم يزده كثرة الأذى إلا صبرًا، ولم يزده إسراف الجاهلين إلا حلمًا، ما غضب لذاته قط ﷺ، وما انتقم لنفسه أبدًا، إلا أن تنتهك حرمة الله ﷿ فينتقم حينئذ لله.
كان كريمًا واسع الكرم، جاءت له الدنيا راغمة فأنفقها كلها في سبيل الله، كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير، مع كونه في ذلك الوقت كان يرأس دولة تشمل الجزيرة العربية بكاملها، لم يورث درهمًا ولا دينارًا، ولا عرف عنه قط أنه خص نفسه بشيء دون أصحابه وأتباعه، كان كثير المخالطة لشعبه، لم ينعزل عنهم أبدًا، كان يجالس الفقراء ويرحم المساكين وتسير به الأمة في شوارع المدينة لحاجتها أينما شاءت، وكان يعود المرضى ويشهد الجنائز، ويخطب الجمع، ويعطي الدروس، ويزور أصحابه في بيوتهم ويزورونه في بيته ﷺ، وهو في كل ذلك دائم الابتسام، منبسط الأسارير، متهلل الوجه ﷺ.
كان رحيمًا بأمته تمام الرحمة، ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه، كان كثير العفو حتى عمن ظلمه وبالغ في ظلمه، كان واصلًا للرحم حتى لمن قطع رحمه وبالغ في القطع.
لم تكن عظمته ﷺ في معاملاته مع الناس أو في أخلاقه الكريمة فقط، ولكنه كان سياسيًا بارعًا، وقائدًا حكيمًا، وخطيبًا مفوهًا لا تفوت عليه صغيرة ولا كبيرة، أوتي جوامع الكلم، يتكلم بالكلمات القليلة فيمكث العلماء والحكماء الأعوام والقرون يستخرجون المعاني الهائلة منها، يحاور كأفضل ما تكون المحاورة، ويفاوض فما يتنازل أو يزل أو يظلم أو يغضب، يستعين بأصحابه ويشاورهم مع رجاحة عقله عنهم، وارتفاع منزلته فوقهم، ما يسفه رأيًا ولا ينتقص أحدًا، الحكمة ضالته أينما وجدها أخذها ما دامت في حدود الشرع.
كانت حياته كلها على هذه الصورة البهية النقية، حتى انبهر به أعداؤه قبل أصحابه، وحتى عظمه وبجله وقدره من سمع عنه ولم يره، بل الذين لم يعاصروه أصلًا، بل حتى من هم من غير المسلمين.
يقول بسمارك زعيم ألمانيا المشهور في القرن التاسع عشر: إني أدعي أن محمدًا ﷺ قدوة ممتازة، وليس في الإمكان إيجاد قدوة كمحمد ثانيًا.
ﷺ.
برناردشو الأديب البريطاني المشهور كان يقول: لو كان محمد بن عبد الله ﷺ بيننا الآن لحل مشاكل العالم كلها وهو يشرب كوبًا من القهوة.
يقول لامارتين الشاعر الفرنسي المتميز: من ذا الذي يجرؤ من الناحية البشرية على تشبيه رجل من رجال التاريخ بمحمد؟ ﷺ ومن هو الرجل الذي ظهر أعظم منه عند النظر إلى جميع المقاييس التي تقاس بها عظمة الإنسان.
ويقول تولستوي الأديب الروسي المشهور: أنا واحد من المبهورين بالنبي محمد ﷺ الذي اختاره الله الواحد لتكون آخر الرسالات على يديه، وليكون هو أيضًا آخر الأنبياء.
ويقول جوته الشاعر الألماني الشهير: بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان فوجدته في النبي العربي محمد ﷺ.
هذا هو رسولنا ﷺ، تعرفنا في هذه السلسلة على طرف ضئيل جدًا من شخصيته العظيمة، ولن نستطيع بأي حال من الأحوال أن نحيط بعظمته؛ لأن محاولة الإحاطة بعظمته تدخل فعلًا في باب المستحيل، هي هذه السمة الأولى البارزة من خلال دراسة السيرة النبوية.
46 / 6