639

السيرة النبوية

السيرة النبوية

ما بعد وفاة رسول الله ﷺ
كان أمام المسلمين أمران في غاية الأهمية، لا بد من حسمهما بسرعة، وهما: من يلي أمور المسلمين بعد وفاة الرسول ﷺ؟ فهذه دولة كبرى الآن لا بد لها من زعامة، وبرغم فداحة المصاب إلا أن واقعية الصحابة حتمت عليهم أن يختاروا من بينهم من يحكمهم بعد رسول الله ﷺ، فاجتمع الصحابة في سقيفة بني ساعدة وبعد مشاورات ومداولات اختاروا الصديق ﵁ وأرضاه، ثاني اثنين، والصاحب الأول لرسول الله ﷺ، وأعلم الصحابة وأتقى الصحابة وأفقه الصحابة ﵃ وأرضاهم أجمعين.
وقد فصلنا كثيرًا هذا الأمر عندما تكلمنا عن الصديق ﵁ وأرضاه في مجموعة المحاضرات الخاصة به.
أما الأمر الثاني فهو قضية تغسيل وتكفين ودفن الرسول ﷺ، فهي قضية حساسة جدًا ومحيرة، ومن القضايا الأولى التي سيأخذ فيها الصحابة ﵃ قرارًا في غياب الرسول ﷺ.
هناك من الأحكام الفقهية ما قد يكون خاصًا به ﷺ، وهناك ما قد يكون عامًا على عموم المسلمين، أما الغسل لجسده الشريف فقد احتار الصحابة في أمره، قالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله ﷿ عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا ورأسه على صدره، ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت لا يرون من هو: أن اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى الرسول ﵊ فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء من فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم.
وهذا حديث صحيح رواه أبو داود وأحمد وابن حبان والحاكم وابن ماجة والبيهقي وغيرهم.
وقام بعملية الغسل مجموعة من الصحابة معظمهم من آل البيت، كان علي بن أبي طالب ﵁ يغسله، وأسامة بن زيد وشقران مولى الرسول ﵊ يصبان الماء، والعباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ وولداه قثم والفضل يقلبونه، وأوس بن خولي الأنصاري ﵁ وأرضاه يسنده على صدره، ثم بعد ذلك كفن ﷺ في ثلاثة أثواب يمانية من كتان يعني من قطن، ليس فيها قميص ولا عمامة.
كان هذا الغسل والتكفين في صباح يوم الثلاثاء الثالث عشر من ربيع الأول، وكان الصحابة في هذا اليوم مشغولين بقضية الاستخلاف.
وبعد الغسل والتكفين وضعوا الرسول ﷺ على فراشه، ثم بدءوا في الصلاة عليه، ودخل الناس أرسالًا، يعني: كانوا يدخلون عشرة عشرة، صلى عليه أولًا أهل البيت، أهل بيته ﷺ وعشيرته، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم بقية الرجال في المدينة، ثم دخلت النساء فصلت عليه، ثم بعد ذلك الصبيان، حتى صلى عليه جميع من بالمدينة من المؤمنين.
ثم كانت بعد ذلك قضية الدفن، واختلف الصحابة في مكان الدفن وفي كيفيته، أما مكان الدفن فقد قال بعضهم: يدفن في مسجده، وقال آخرون: يدفن مع أصحابه في البقيع فقال الصديق ﵁ وأرضاه إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض).
فقرروا أن يدفنوه ﷺ في المكان الذي مات فيه في حجرة عائشة ﵂ وأرضاها.
أما في كيفية الدفن فقد اختلفوا أيضًا في الدفن هل يشق له في قبره أم يلحد؟ على أن يلحدوا له، فجاء أبو طلحة الأنصاري ﵁ وأرضاه ورفع فراش الرسول ﵊ وحفر تحت الفراش، وأصلح اللحد الذي سيدفن فيه الرسول ﷺ، وفي ليلة الأربعاء بدأ الصحابة ﵃ وأرضاهم في إنزال رسول الله ﷺ في قبره.
ونزل في قبره علي بن أبي طالب والفضل بن العباس وقثم بن عباس، وشقران مولى الرسول ﷺ ﵃ أجمعين، وقيل: نزل معهم عبد الله بن عوف وقيل: أوس بن خولي.
وبعد أن وضع ﷺ في قبره أهالوا عليه التراب، لتغلق أهم صفحة من صفحات التاريخ البشرية، لم يصدق الصحابة أنفسهم من كونهم يعيشون في الحياة بدون رسول الله ﷺ، ومن كونهم يمشون على الأرض وهو يرقد تحتها ﷺ.
يقول أنس بن مالك: (ولما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي، وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا).
القلوب وكأنها ليست القلوب، كان الرسول ﷺ يمدها بنور وهدى وأمان وراحة واطمئنان، أما الآن فقلوبنا ليست هي القلوب التي كانت يوم كان

45 / 17