635

السيرة النبوية

السيرة النبوية

آخر يوم من حياته ﷺ
جاء يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول إحدى عشرة هجرية، وهو اليوم الذي شهد أعظم مصيبة في تاريخ البشرية.
يقول أنس بن مالك ﵁: (ما رأيت يومًا قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه ﷺ يوم أن هاجر من مكة إلى المدينة، وما رأيت يومًا كان أظلم من يوم مات فيه رسول الله ﷺ.
وشتان بين بداية هذا اليوم وبين نهايته، فأول هذا اليوم صلى أبو بكر ﵁ وأرضاه صلاة الصبح بالناس، وكانت هذه الصلاة هي السابعة عشرة التي يصليها أبو بكر بالناس في وجود الرسول ﷺ.
يقول أنس ﵁: (كان أبو بكر يصلي بنا في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة، كشف النبي ﷺ ستر حجرة عائشة ﵂ ينظر إلينا، ونظر إلى الصحابة ﵃ وأرضاهم ثم تبسم يضحك ﷺ سعيد برؤيتهم وهم يصلون مجتمعين وراء أبي بكر الصديق ﵁.
يقول أنس (فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، فأشار النبي ﷺ أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر).
لم يستطع ﷺ أن يصلي معهم، ولم يأت عليه في الدنيا صلاة أخرى ﷺ، لما ارتفع الضحى من ذلك اليوم دعا ﷺ ابنته فاطمة ﵂، ثم أسر في أذنها أمرًا فبكت بكاءً شديدًا ﵂ وأرضاها، قال لها: (لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري؛ فإني نعم السلف أنا لك، فلما رأى ﷺ بكاءها قال: يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، فضحكت ﵂ وأرضاها)، وفي رواية: (أنه بشرها بأنها أول أهل بيته لحوقًا به ﷺ.
لكن السيدة فاطمة ﵂ كانت تشاهد الألم والمعاناة التي يشعر بها الحبيب ﷺ فدفعها ذلك إلى أن تقول: (وا كرب أبتاه فقال ﷺ: ليس على أبيك كرب بعد اليوم).
وصدق ﷺ كيف يشعر بالكرب من رأى مقعده من الجنة وهو حي على وجه الأرض؟! فقد كان الرسول ﷺ يقول قبل أن يمرض: (إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يخير).
أي: يخير بين الموت، وبين البقاء في الدنيا.
تقول السيدة عائشة ﵂: (لما نزل به ورأسه على فخذي غشي عليه ساعة ثم أفاق، فأشخص بصره إلى السقف) يعني: نظر إلى السقف وكأنه يرى مقعده من الجنة، وكأنه يعرض عليه التخيير في هذه اللحظة، ثم قال: (اللهم الرفيق الأعلى).
فاختار لقاء الله ﷿، تقول السيدة عائشة ﵂: (إذًا لا يختارنا، وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيح).
يعني: أنه ﷺ كان أخبرهم بالتخيير.
واقتربت اللحظات الأخيرة من حياته ﷺ وهو يريد أن ينصح أمته حتى آخر أنفاسه ﷺ، فكانت عامة وصية الرسول ﷺ حين حضره الموت: (الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم، الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم، حتى جعل ﷺ يغرغر بها صدره، وما يكاد يفيض بها لسانه).
يوصي الرسول ﷺ يوصي بحاجتين في غاية الأهمية، الأولى: الصلاة، ثم كذلك يوصي بالرقيق والعبيد مما ملكت أيمانكم، ويجمع بينهما، لكي يؤكد على وجوب الإحسان إلى الرقيق.
يروي البخاري أن السيدة عائشة ﵂ كانت تقول: (إن من نعم الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي، وبين سحري ونحري).
السحر هو الصدر أو الرئة، والنحر هو الرقبة.
يعني: كان الرسول ﵊ يسند رأسه على صدر ورقبة السيدة عائشة ﵂، ثم تكمل عائشة ﵂ وتقول: (وإن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته دخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله ﷺ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته، فاشتد عليه، وقلت: للرسول ﵊، لم يستطيع من صلابة السواك الجاف أن يحركه بين أسنانه ﷺ فقالت السيدة ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته.
فأمره- وفي رواية-: أنه

45 / 13