السيرة النبوية
السيرة النبوية
Bölgeler
Mısır
عثمان بن عفان أنموذجًا
أما عثمان ﵁ وأرضاه فكان هذا اليوم يومه؛ ما إن فتح الرسول ﵊ باب الجهاد بالمال حتى كان أسرع وأسبق الناس إلى الدخول فيه ﵁، قام في تجرد واضح، وفي تضحية عميقة يقول: علي مائة من الإبل بأحلاسها وأقتابها.
يعني: بكامل عدتها.
وكنا قد ذكرنا في الدروس الماضية نماذج ممن كان يطلب مائة من الإبل ليثبت على الإسلام، والآن نتكلم على شخص يدفع مائة من الإبل في سبيل الله بنفس راضية مطمئنة، هذا هو مقياس الدنيا في عين عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، في لحظة يدفع بمائة من الإبل بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله.
فـ عثمان ليس مكلفًا بدفع كل هذا في إعداد الجيش الإسلامي، لكنه يشعر أن القضية فعلًا قضيته، والهم همه، لا يضيره في ذلك أن قعد آخرون، المهم عنده أن يعمل لله ﷿، لم ينتظر أن يسبقه أحد أو أن يشجعه أحد، ليست النائحة كالمستأجرة، فهو يعيش القضية، فلما رأى الرسول ﵊ عثمان بن عفان يدفع مائة من الإبل سر سرورًا عظيمًا ﷺ حتى ظهر ذلك على وجهه، وانبسطت أساريره ﷺ، ثم فتح باب الجهاد من جديد.
فيقوم آخر ليبذل من ماله فيحدث العجب، لقد قام عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه مرة ثانية يزايد على نفسه هو، فقد دفع في الأولى، وكذلك يدفع في الثانية، لا ينتظر أحدًا من المسلمين ليساعده في عملية الإنفاق على جيش العسرة ﵁ وأرضاه، قام وقال: علي مائة أخرى من الإبل بأحلاسها وأقتابها! تفشل كثير من الأمم في الخروج من أزماتها لافتقادها إلى رجل مثل عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه.
ويرقب الرسول ﵊ ذلك بسعادة لا تخفى على أحد، إلى الدرجة التي قال فيها كلمة عجيبة جدًا، قال ﷺ: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم)، أي: أن الحسنات التي حصلها عثمان ﵁ وأرضاه في هذا اليوم لا تضر معها معصية أبدًا، وهذا الكلام ليس استنتاجًا، بل هو نص كلام الرسول ﵊، فقد ينجو الإنسان طيلة حياته بموقف واحد وقفه لله ﷿.
(ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم) ليست هناك سيئة إن فعل عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه أي سيئة بعد ذلك، لن يكون هناك تأثير على ميزانه يوم القيامة.
وليست هذه دعوة لفعل السيئات، فالرسول ﵊ يقول الكلمة وهو يعرف في حق من يقولها، يقولها في حق عثمان بن عفان ذي النورين ﵁ وأرضاه.
وعثمان بن عفان بعد أن سمع هذه الكلمة العجيبة التي علق بها ﷺ على فعله العظيم لم يكتف بهذا العطاء، بل قام للمرة الثالثة في بساطة وهو يقول: علي مائة ثالثة من الإبل بأحلاسها وأقتابها، ماذا نرى؟! إنه إنفاق غير طبيعي، لا يرى للدنيا أي حجم في عينه ﵁ وأرضاه.
والرسول ﷺ يسمع هذا الكلام ويقول: (اللهم اغفر لـ عثمان ما أقبل وما أدبر، وما أخفى وما أعلن، وما أسر وما جهر)، بل إن البعض يصل بنفقة عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه في ذلك اليوم إلى تسعمائة من الإبل بأحلاسها وأقتابها! ولم يكن عطاؤه من الإبل فقط ﵁، بل عاد إلى بيته وأتى بألف من الدنانير نثرها في حجر الرسول ﷺ حتى رفع الرسول ﵊ يده إلى السماء وقال: (اللهم ارض عن عثمان؛ فإني عنه راض).
سبحان الله! ماذا يساوي هذا؟! إن مال الدنيا بأكمله لا يساوي هذا الدعاء العظيم من الحبيب ﷺ.
لم تكن عظمة عثمان ﵁ وأرضاه فقط في أنه أنفق أو أعطى، لكن العظمة الحقيقية في أنه سبق، لم ينتظر تشجيعًا من أحد، بل هو الذي شجع الآخرين، لم يقل: كل الناس لم يتحركوا، بل هو الذي تقدم وسبق؛ من أجل أن يقلده الناس بعد ذلك.
هذا بيت القصيد في بناء الأمم؛ أن يحمل أناس الهم على أكتافهم ويتحركوا به حتى وإن قعدت الأمة بأكملها، كل من أعطى بعد عثمان بن عفان ﵁ تقليدًا لفعله واتباعًا لهديه هو في ميزان حسنات عثمان بن عفان، وهذا أمر يعجز عن حسابه العقل.
روى مسلم عن جرير بن عبد الله ﵁ أن رسول ﷺ قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء).
لماذا يعمل عثمان بن عفان هذا كله وينفق تسعمائة بعير، ويأتي بألف دينار، ويتحمل كل هذه المسئولية وحده ﵁ وأرضاه؟ إن قلبه وعينيه على الجنة: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة)، يشتري الجنة
43 / 7