السيرة النبوية
السيرة النبوية
Bölgeler
Mısır
استشارة الرسول ﷺ لأحد أصحابه بعد طول حصار الطائف
استشار الرسول ﵊ أحد أصحابه من أصحاب الخبرة العسكرية والرأي السديد، عندما تسمع اسم هذا الصحابي الذي استشاره الرسول ﵊ سينتابك العجب لا محالة، من هذا الذي استشاره ﷺ؟ إنه نوفل بن معاوية الديلي ﵁ وأرضاه، هذا نوفل بن معاوية الديلي زعيم بني بكر القبيلة التي كانت متحالفة مع قريش بعد صلح الحديبية، وهو الذي قاد قومه لقتل خزاعة، والذي كان سببًا في نقض صلح الحديبية، والذي دخل الحرم المكي ليستمر في عملية قتل رجال خزاعة، والذي رد بالرد الكفري على قومه عندما قالوا له: يا نوفل إلهك إلهك، فقال: يا بني بكر! لا إله لكم اليوم، هذا هو نوفل بن معاوية الذي ارتكب كل هذه الجرائم منذ شهرين أو ثلاثة، والذي كان سببًا في خروج رسول الله ﷺ إلى فتح مكة المكرمة ثم حنين، ثم الطائف، وسبحان مقلب القلوب ومصرفها ﷾.
أسلم نوفل بن معاوية بعد هذا التاريخ الأسود مع المسلمين، أسلم وحسن إسلامه، وانضم إلى الجيش المسلم، وأصبح مستشارًا أمينًا لرسول الله ﷺ.
وإن كنا نعجب من تحوله من الكفر إلى الإيمان، ومن الغدر إلى الأمانة، ومن حلفه لقريش إلى دخوله في الإسلام، إن كنا نعجب من كل ذلك فالعجب كل العجب والإبهار كل الإبهار في الدروس التي يعطيها لنا معلم البشرية وسيد الخلق محمد ﷺ!.
فنحن نرى هذا التوظيف الرائع منه ﷺ لكل الطاقات التي حوله، وهذا الاستغلال المفيد لكل من دخل في صف المؤمنين، وهذه القيادة المبهرة لكل هذه الأنواع المختلفة من البشر، وهذا الأمر لم يكن حدثًا عارضًا في حياته ﷺ، لا، بل كان أمرًا متكررًا وثابتًا في حياته كلها ﷺ، ولعلكم تذكرون توليته عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه إمارة معركة ذات السلاسل ولم يمر على إسلامه إلا شهور قليلة، وكذلك تقريبه خالد بن الوليد في كل أموره، حتى قال خالد: فوالله ما كان رسول الله ﷺ من يوم أسلمت يعدل بي أحدًا من أصحابه فيما حزبه! فهذا إحساس صادق من خالد بن الوليد، مع أنه من المؤكد أن الرسول ﵊ كان كثيرًا ما يستشير أصحابه الآخرين مثل: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير وغيرهم وغيرهم أكثر من استشارته لـ خالد بن الوليد، لكنه كان ﷺ يشعره دائمًا بقيمته وأهميته واحتياجه لرأيه.
وكلنا يذكر توليته عتاب بن أسيد ﵁ على مكة المكرمة، ولم يكن قد أسلم إلا منذ أيام، هكذا يكون التعامل مع الرجال، وبالذات الذين يتمتعون بملكات قيادية.
والقواد إذا همشوا لا تضيع قواتهم فقط، بل قد يكونون وبالًا على الأمة.
فالرسول ﷺ بلغ قمة الحكمة في التعامل مع الناس، وقمة الحكمة في إنزال الناس منازلهم، وقمة الحكمة في احترام أرائهم واستغلال قدراتهم.
ومن هذه السياسة الحكيمة نرى نوفل بن معاوية القائد المحنك يدلي برأيه في قضية تنفع الإسلام والمسلمين، لو كان القائد غير رسول الله ﷺ فلعله كان يتتبع قواد الجيش المعادي بالقتل والإبادة والسجن والتعذيب، مثل ما نرى في كل مكان، لكن الرؤية كانت واضحة جدًا عند رسول الله ﷺ، (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم)، إنها سياسة نبوية ثابتة مستقرة، فماذا قال نوفل بن معاوية لرسول الله ﷺ؟ قال: هم ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك.
يعني: هو يشبه أهل ثقيف بالثعالب، وهذا حقيقي ومشتهر عنهم وسط العرب، حتى قال عنهم عيينة بن حصن: إنهم قوم مناكير.
يعني: أصحاب دهاء وفطنة.
ورأينا من هذه الفطنة وهذا الدهاء في هذا الحصار الصعب، وهذه المقاومة الشرسة.
ثم إنه يؤكد أنهم لا مهرب لهم من هذه الحصون (إن أقمت عليه أخذته) غير أنه يشير إلى شيء في غاية الأهمية، يقول: إن شوكة ثقيف وهوازن قد كسرت ومعنوياتهم هبطت إلى الحضيض، لن تكون لهم قائمة بعد اليوم، فقد طارت فضيحتهم في الآفاق، لذلك قال نوفل في نظرة عميقة وتحليل دقيق: (وإن تركته لم يضرك).
يعني: لو صبرت على الحصار، فستصل إلى مرادك وستفتح الحصن، لكن تضييع الوقت في حصارهم قد يكون ضارًا بالجيش الإسلامي أكثر من ضرره بثقيف.
فهنا عقد الرسول ﷺ موازنة بين الأمرين، فوجد أن بقاءه في هذه البلاد أكثر من ذلك سيوقع الدولة الإسلامية في أضرار أكثر من الفوائد المحصلة، فأخذ الرسول عليه الصلاة وال
41 / 6