الإمام الصادق
الإمام الصادق
* بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين وإن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وسلام على إل ياسين.
Sayfa 4
الإهداء
سيدي أبا عبد الله :
أرفع بكلتا يدي هذه الصحائف الوجيزة ، لأهديها إلى رفيع قدسك موقنا أني لست ممن يقوى على الرقي لأمثال هذه المعارج العالية ، أو تنفق بضاعته في مثل هذه السوق الغالية ، غير أني مستمسك بعروة هذه العترة الطاهرة ، ومتعلق بأغصان هذه الشجرة المباركة ، وأرغب جهدي في أن أحسب في عداد من أدركه الحظ بإسداء الخدمة إليهم. وهذا الذي بين يدي ما انتهى إليه عرفاني ، ووصل إليه علمي ، من الجمع والتأليف والتعليق وقيمة كل امرئ ما يحسنه ، فإن كانت فيه حسنة فهي منك وإليك ، وإن كانت فيه كبوة فتلك من قلمي الجموح ، ومن أولى منك بالإقالة من العثرات ، وقلما يسلم منها أحد مثلي ، وما أملي إلا أن تمن بابتياع هذه البضاعة المزجاة من وليك ، وثمنها القبول ، وما أغلاه من ثمن.
Sayfa 5
الطليعة
لما كان الوقوف على حياة هذا الامام يتطلب درسا لشؤون الدولتين الاموية والعباسية اللتين عاصرهما أبو عبد الله عليه السلام ، وموقف هاتين السلطتين من أهل البيت ، ومعرفة من هم أهل البيت ، ومعرفة ما كان في عهده من المذاهب والنحل ، وما رأته الناس في الإمامة ، حق أن نذكر هذه الشؤون في الطليعة ، فإن بها تعرف ما كان من حياته السياسية والعلمية والاجتماعية ، والسبب الذي من أجله بث العلوم والمعارف ، وندب إلى الأخلاق والمحاسن وحث على التكتم في نشر هذه الفضائل وكتمان نسبتها إلى أهل البيت ، كما منع أولياءهم عن إظهار الولاء لهم والاعلان في التردد عليهم ، وهو ما نسميه ب « التقية ».
فهذه الطليعة يكون القارئ على بصيرة من حياة هذا الامام قبل أن يستعرض تفاصيلها.
* * *
Sayfa 6
أهل البيت
من هم أهل البيت؟
يأتينا الكتاب الكريم ناطقا مبينا بقوله جل شأنه « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا » (1) إنها لفضيلة لهم لا يدانيهم فيها أحد من الناس كافة.
ولا كرامة أنفس من إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم من العيوب كافة ، ذلك التطهير الذي يريده اللطيف تعالى لهم بعنايته ، وهو غير مقيد برجس خاص ولا من شيء معين ، فيدل على عموم التطهير من كل عيب وذنب.
ويستفاد من هذه الآية الجليلة عصمة أهل البيت النبوي ، لأن كل ذنب رجس ، وارتكاب الذنوب لا يجتمع مع إذهابها عنهم وطهارتهم منها ، فهم إذن بحكم هذه الآية مطهرون من الأرجاس والذنوب ، وهل العصمة شيء وراء هذا؟
نعم وإنما الشأن كله في المعني بهذه الفضيلة التي امتازوا بها على جميع الامة. أهم الذين كانوا في البيت حين نزلت هذه الآية الكريمة؟ أم كل من يمت إلى الرسول الأطهر بسبب أو نسب؟ فإن قيل بالثاني فالواقع شاهد على خلافه ، لأنا نجد في نسائه من خالفته وتظاهرت عليه ، ولا رجس أعظم من ذلك. فلا بد من أن يكون نساؤه غير معنيات بها ، واستثناء بعض النساء دون
Sayfa 7
بعض تحكم.
هذا فيمن يمت إليه بالسبب ، ونجد البعض ممن يمت إليه بالنسب يداني الموبقة ، ويقارب الجريمة ، ولا يصح أن يريد القدير سبحانه شيئا بالإرادة التكوينية (1) ثم لا يقع ، فلما كان مستحيلا أن يريد تكوين شيء فلا يكون عرفا أن النساء وعامة الهاشميين غير مقصودين من الآية ، لإتيانهن وإتيانهم ما ينافي التطهير ، على أنه لم يقل أحد بعصمة نسائه والهاشميين عامة.
ولو كان المقصود بها الإرادة التشريعية فلا وجه لارادة التطهير من أهل البيت خاصة ، لأنه تعالى يريده من الناس كافة ، فاختصاصه بهم على وجه الميزة والفضيلة يدلنا على تكوينه فيهم ، ثم ان الإرادة التشريعية إنما تتعلق بفعل الغير ، ومتعلقها في الآية فعل الله تعالى نفسه ، ولو كانت الإرادة تشريعية لقال : لتذهبوا وتطهروا أنفسكم.
فلا شك في أن المعني من الآية هو المعنى الأول ، أعني أن المقصود منها أناس مخصوصون ، وهم الذين كانوا في بيت سيد الرسل صلى الله عليه وآله وسلم وقد جللهم بكسائه والتحف معهم به ، فنزلت هذه الآية عليهم وفيهم ، وهم علي وفاطمة وابناهما عليهم السلام ، وعلى ذلك صحاح الأحاديث من طرق الفريقين (2).
ولو لم يكن هناك نقل يدل بصراحته على اختصاص هذه الصفوة الكريمة
وحاول الآلوسي في تفسيره روح المعاني بعد أن ذكر الأحاديث الجمة الواردة في اختصاصها بأهل الكساء أن يعمم الآية لهم وللنساء وللمؤمنين من بنى هاشم ، وما ذكرناه كاف في رده.
Sayfa 8
بهذه الآية الشريفة لكان من آثارهم اكبر برهان على هذا الاختصاص ، فان أفعالهم وأقوالهم ترغمنا على الاعتراف بتلك النزاهة لهم.
وما خفيت هذه الحقيقة الناصعة على أهل البصائر من بدء نزول هذه الآية المحكمة حتى اليوم ، فكان أهل البيت عندهم أهل الكساء ، خاصة ، الذين حبوا بمكارم لا يأتي عليها الحصر ، وكان منها الطهارة من العيوب ، وذهاب الأرجاس والذنوب.
نعم ربما استغل بعض الهاشميين ومنهم العباسيون ظاهر عموم كلمة أهل البيت لتحقيق مآربهم والوصول إلى العروش ، فكان الهاشميون عامة يدلون على الناس بهذه الآية.
كما كان اسم التشيع أيضا قد يستغل فيراد به ولاء علي وأهل البيت بالمعنى العام ، لا خصوص أصحاب الكساء والأئمة من أولاد الحسين عليهم السلام إلا عند الذين لا تجرفهم سيول الرعاع ، ولا يعدل بهم عن الحق الصخب أو الضغط ، وما عرفت الناس التشيع بولاء هؤلاء الأئمة خاصة إلا بعد أن خيم السكون على الناس بعد الثلث الأول من الدولة العباسية ، حين قرت شقشقة العلويين وثوراتهم ، فتمخض القول وقتذاك بأهل البيت لهؤلاء السادة الأئمة.
وشاهدنا على ذلك أن بني العباس ما دبوا دبيب النمل على الصفا لارتقاء عروش الملك وتحطيم دعائم الدولة المروانية إلا بذلك الاسم ، بزعم أنهم أهل البيت الأقربون إلى صاحب الرسالة ، ليعطفوا بذلك عليهم قلوب الشيعة ويتخذوا منهم فعلة لبناء الكيان لسلطانهم ، وهدم بناء الدولة الاموية التي قاومت أهل البيت وشيعتهم طيلة أيامها ، وصبغت وجه الأرض من دمائهم المسفوحة.
Sayfa 9
وما كان ليتم لبني العباس ما أملوه لو لا ادعاؤهم ذلك ، ولو لم يكن الذين نهضوا بهم واتخذوا منهم جسرا عبروا عليه إلى مآربهم شيعة لأهل البيت ، من دون تفريق بين العباسي والطالبي ، ولا بين العلوي والجعفري والعقيلي ، ولا بين الحسني والحسينى.
وهكذا كانت الدعوة والنهضة من كل هاشمي كنهضة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بالكوفة ثم بفارس وفيهما أولياء لأهل البيت ، وقد قضى عليه أبو مسلم بعد تفرق الناس عنه والتجائه إليه ، وما كان من زيد وابنه يحيى من النهضة ، ولا من الأخوين محمد وإبراهيم من الدعوة إلا لأنهم من أهل البيت وأن غاياتهم من الدعوة أخذ التراث من أعداء أهل البيت.
ولكن قد وضح للناس بعد ذلك أن بني العباس ليسوا من أهل البيت ، حين سلوا سيف البغي على أهل البيت قربى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعرف الناس أن الدعوة من بني العباس لقلب دولة أمية باسم الثأر لقتلى الطف وصليب الكناسة والجوز جان وغيرهم كانت سبيلا للوصول إلى أمنيتهم المقصودة ، لأنه بعد أن بنوا من جماجم اولئك الاغرار من محبي أهل البيت قواعد سلطانهم ظهرت كوامن صدورهم ، وما قصدوه من الوليجة إلى غاياتهم ، حتى أن محمدا وإبراهيم اختفيا عند قبض السفاح عن أعنة الحكم ، وما اختفيا إلا لما يعلمانه من سوء نواياه مع الادنين من الرسول ، والشواهد على ذلك من ضغطهم على أهل البيت وشيعتهم اكثر من أن تحصر ، وفي ثنايا الكتاب سيمر عليك من هذا القبيل ما فيه مقنع.
* * *
Sayfa 10
بنو أمية
من هم بنو أمية؟
يفصح القرآن الكريم معلنا بقوله : « وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن » (1) ويحدثنا التفسير في سبب نزول هذه الآية الكريمة أن النبي رأى في المنام أن قردة تنزو على منبره فأعلمه جبرئيل أنهم بنو أمية يتغلبون على الأمر فيتنازعون على منبره وأنهم هم الشجرة الملعونة ، ثم ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يستجمع ضاحكا بعد ذلك حتى مات (2).
وجاء في ذم بني أمية والطعن فيهم كثير من التنزيل ، انظر الحاكم في حديث علي في قوله « وأحلوا قومهم دار البوار » (3) قال : هما الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة ، وتفسير ابن جرير في قوله : « وجاهدوا في الله حق جهاده » (4) فإنه قال : إن الذين أمر تعالى بجهادهم مخزوم وأمية (5)، إلى غير ذلك.
ثم ان الرسول الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلم يتبع القرآن المجيد بقوله : اللهم العن بني أمية قاطبة ، وبأمثال ذلك ، لا سيما فيما يخص أبا سفيان وابنيه
Sayfa 11
يزيد ومعاوية ، ولا تنس ما جاء عنه في آل أبي العاص ولا سيما في الحكم وابنه مروان. (1)
أترى لما ذا يمنح الكتاب المبين أهل البيت بذلك الثناء الجزيل ويذكر بني أمية بذلك السوء والذم ، أيكيل العادل تعالى لأولئك المدح جزافا ، ولهؤلاء الذم اعتداء ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
نعم إن الطاعة هي التي تقرب الخلق من الخالق ، وإن المعصية هي التي تبعد العبيد عن البارىء ، وإلا فان عباده لديه بالعطف واللطف وبالرحمة للمطيع وبالنقمة على العاصي شرع سواء ، فإنه يدخل الجنة من أطاعه وإن كان عبدا حبشيا ، والنار من عصاه وإن كان سيدا قرشيا.
فما كان دنو أهل البيت من حظيرة القدس حتى منحهم تعالى بذلك الوسام الأرفع الذي لم يحظ به بشر سواهم إلا لتقواهم وامتثالهم لأوامره ، وما كان بعد بني أمية عن ساحة الرحمة حتى صاروا الشجرة الملعونة في القرآن ، وحتى عمتهم لعنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مرة ، وخصت الكثير منهم اخرى ، مشفوعة بالدعاء عليهم ، إلا لعصيانهم لجبار السموات والأرضين ، واستمرارهم على العصيان.
ولو لم يقرئنا التاريخ قدر تلك الطاعة ، التي كان عليها أهل البيت ومبلغ ذلك العصيان الذي استقام عليه الامويون ، لكفى ذلك التقديس من الجليل في كتابه لأولئك ، وهذا الحظ من هؤلاء ، كاشفا عما عليه الآل من الطاعة
Sayfa 12
والانقياد ، وأمية من التمرد والابتعاد.
وهذه النتيجة تلمسها من هذه النصوص الفرقانية والأحاديث النبوية من دون شحذ قريحة وغور في التفكير ، نعم لو سبرت السيرة الاموي ة قبل الاسلام وبعده الى انقراض دولتهم ، لعرفت أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم إنما كشفا بالكتاب والسنة عن تلك السيرة والسريرة الفائتتين ، وأنبأ عن الآتيتين ، وما كان ليخفى على الناس حالهما ، ولكن كان هذا التصريح قطعا لاعتذار أوليائهم ودحضا لمكابرات مشايعيهم ، ومع هذه الصراحة من الكتاب والحديث ما زال للقوم حتى اليوم أولياء وأشياع ، ومدافعون وأتباع.
ولأجل أن تطمئن القلوب بهذه الحقيقة ، نستطرد نبذا من أعمال أمية وبنيه أخبرنا عنها التاريخ الموثوق به.
مات عبد مناف وترك عدة بنين ، كان منهم هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس ، وكان هاشم أرجحهم عقلا وأسماهم فضيلة فاصطلحت قريش على أن توليه الرفادة والسقاية (1) وكانتا لأبيه عبد مناف ، فكان هاشم حيث رأت قريش ، وزاد في شرف أبيه أن سن الرحلتين رحلة الشتاء إلى اليمن ، ورحلة الصيف إلى الشام ، وقد ذكر هاتين الرحلتين الكتاب الكريم (2)، وما كانت غاية هاشم من الرحلتين إلا أن يكثر المال في قريش فيقووا به على إطعام الحاج ، وهذه فضيلة سامية أرادها هاشم لقومه ، وهذا شأن العظام الذين ينحون بقومهم عظائم الامور ، ومراقي الشرف الرفيعة.
ثم تقدم هو في الاطعام ليكون قدوة لقومه ، فأطعم وأجزل حتى غنت
Sayfa 13