Al-Qawāʿid wa-l-ḍawābiṭ al-fiqhiyya fī al-ḍamān al-mālī

القواعد والضوابط الفقهية في الضمان المالي

Publisher

دار كنوز إشبيلية للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م

Publisher Location

السعودية

القواعد والضوابط الفقهية
في الضمان المالي
تأليف
د. حمد بن محمد الجابر الهاجري
عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة
جامعة الكويت
الجزء الأول

1 / 1

المقدمة
[أ] الافتتاحية:
«الحمد لله الذي مهَّد قواعد الدين بكتابه المحكم، وشيَّد معاقد العلم بخطابه وأحكم، وفقَّه في دينه من أراد به خيرًا من عباده وفهَّم، وأوقف من شاء على ما شاء من أسرار مراده وألهم، فسبحان من حكم فأحكم، وحلَّل وحرَّم، وعرَّف وعلَّم، علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تهدي إلى الطريق الأقوم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المخصوص بجوامع الكلم وبدائع الحكم وودائع العلم والحلم والكرم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم» (^١).
أما بعد: فإن علم الفقه من أجلّ علوم الشريعة قدرا، وأشرفها منزلة، وأكثرها نفعًا، وأعظمها عند الله أجرًا، فهو ثمرتها وجناها، وعليه مدارها ورحاها؛ إذ به يعبد الإنسان ربه على بصيرة، ويعرف الحلال من الحرام.
وقد تنوع علم الفقه إلى فنون وأنواع (^٢)، ولا شك أن أهم أنواعه -على الإطلاق- وأعظمها فائدة ونفعًا علم القواعد الفقهية؛ إذ به تنتظم الفروع الفقهية المتباعدة الأطراف المختلفة الأبواب تحت أصل فقهي واحد.

(^١) تقرير القواعد (١/ ٣ - ٤).
(^٢) كعلم القواعد الفقهية والفروق الفقهية وتخريج الفروع على الأصول وغيرها.

1 / 5

يقول الفقيه عبد الوهاب بن السبكي (^١):
«وإن تعارض الأمران - يعني حفظ القواعد وحفظ الفروع الفقهية - وقصر وقت طالب العلم عن الجمع بينهما - لضيق أو غيره من آفات الزمان - فالرأي لذي الذهن الصحيح الاقتصار على حفظ القواعد وفهم المآخذ» (^٢).
وقد أشاد جماعة من العلماء بهذا العلم، وبينوا أهميته ومنزلته.
يقول العلامة أبو العباس القرافي (^٣) في مقدمة كتابه "الفروق" (^٤): «والقسم الثاني: قواعد كلية فقهية جليلة، كثيرة العدد، عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى ... وهذه

(^١) هو الفقيه القاضي تاج الدين أبو نصر عبدالوهاب بن علي بن عبدالكافي بن علي بن تمام الأنصاري الخزرجي السبكي، ولد في القاهرة سنة ٧٢٧ هـ وقيل غير ذلك، قرأ على والده والمزي والذهبي، وصنف عدة تصانيف منها: الأشباه والنظائر، وطبقات الشافعية، توفي سنة ٧٧١ هـ.
انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ٢٥٦)، طبقات الشافعية لابن هداية الله (ص ٢٧٥).
(^٢) الأشباه والنظائر لابن السبكي (١/ ١١).
(^٣) هو العلامة أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبدالرحمن بن عبدالله الصنهاجي البهنسي القرافي، أخذ عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام والشيخ محمد بن عمران وغيرهما، له مصنفات كثيرة ومفيدة منها: "الذخيرة" و"الفروق"، توفي سنة ٦٨٤ هـ.
انظر: الديباج المذهب (ص ١٢٨ - ١٣٠)، شجرة النور الزكية (ص ١٨٨ - ١٨٩)، الأعلام (١/ ٩٤ - ٩٥).
(^٤) (١/ ٢ - ٣).

1 / 6

القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف، فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجذع، وحاز قصب السبق من فيها برع، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العمر ولم تقض نفسه من طلب مناها. ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات؛ لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره»
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (^١): «لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات؛ ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلَاّ فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم» (^٢).

(^١) الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن أبي قاسم الحراني ثم الدمشقي، ولد سنة ٦٦١ هـ، وسمع من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر وغيرهما، وردس عليه أبو الحجاج المزي وأبو عبد الله الذهبي وآخرون، له مؤلفات كثيرة ونفيسة منها: درء تعارض العقل والنقل، والصارم المسلول على شاتم الرسول، توفي سنة ٧٢٨ هـ في قلعة دمشق معتقلا.
انظر: تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٩٦ - ١٤٩٨)، الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية، المقصد الأرشد (١/ ١٣٢ - ١٣٩).
(^٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٩/ ٢٠٣).

1 / 7

وقال الفقيه بدر الدين الزركشي (^١) في فاتحة كتابه "المنثور" (^٢): «فإنّ ضبط الأمور المنتشرة المتعددة في القوانين المتحدة، هو أوعى لحفظها وأدعى لضبطها ... وهذه قواعد تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على نهاية المطلب، وتنظم عقده المنثور في سلك، وتستخرج له ما يدخل تحت ملك».
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي (^٣) في مستهل كتابه "تقرير القواعد وتحرير الفوائد" (^٤): «فهذه قواعد مهمة وفوائد جمة، تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد».

(^١) هو الفقيه الأصولي بدر الدين أبو عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الشافعي، التركي الأصول المصري، ولد سنة ٧٤٥ هـ، أخذ عن الشيخين جمال الدين الاسنوي وسراج الدين البلقيني وغيرهما، له مصنفات جليلة: منها "البحر المحيط في أصول الفقه" و"البرهان في علوم القرآن"، توفي سنة ٧٩٤ هـ.
انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٤/ ٣١٩ - ٣٢٠)، الدرر الكامنة (٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨).
(^٢) (١/ ٦٥ - ٦٦).
(^٣) هو العلامة الحافظ زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسين البغدادي ثم الدمشقي، ولد سنة ٧٠٦ هـ، سمع من محمد الخباز وإبراهيم العطار، ولازم مجلس ابن القيم، وسمع منه أحمد بن نصر الله وداود الموصلي، من مؤلفاته: "شرح الأربعين النووية" و"القواعد الفقهية" و"فتح الباري"، توفي سنة ٧٩٥ هـ.
انظر: المقصد الأرشد (٢/ ٨١ - ٨٣)، السحب الوابلة (٢/ ٤٧٤ - ٤٧٦)، مقدمة كتاب تقرير القواعد (١/ ٤٠ - ٨٢).
(^٤) (١/ ٤).

1 / 8

ورغم اهتمام العلماء بهذا الفن، وعنايتهم به عناية فائقة، وتصنيفهم المؤلفات فيه، إلا أن المتأمل في كتب القواعد الفقهية يلحظ أن أغلبها مختصة في دائرة مذهب فقهي معين، كما أن كثيرا منها لا يُعْنى بذكر أدلتها والتعليل لها.
لذا فإن علم القواعد الفقهية لم ينضج بعد، فهو بحاجة ماسة إلى مزيد من الدراسات الفقهية المتعمقة والبحوث الشرعية الدقيقة؛ لتقوم بتحريرها وتأصيلها واستيفاء الكلام عليها، وذلك بتبيين المعنى الصحيح لها، وذكر أقوال الفقهاء فيها، مع التدليل والتعليل لها، ومن ثم بيان صحتها من ضعفها، وذكر شروط إعمالها، مع التفريع عليها والتمثيل لها، وذكر مستثنياتها.
ومن تلك القواعد الفقهية التي لا تزال بحاجة إلى دراسة، وجمع شتاتها، وتحرير مسائلها، واستيفاء الكلام عليها: (القواعد والضوابط الفقهية في الضمان المالي).
وهو ما وقع الاختيار عليه ليكون موضوعا لرسالتي في مرحلة الدكتوراه.
[ب] أهمية الموضوع وأسباب اختياره:
تتلخص أهمية الموضوع وأسباب اختياره فيما يلي:
١ - إن علم القواعد الفقهية علم جليل القدر، عظيم النفع؛ لما له من أهمية قصوى في الفقه الإسلامي، فأحببت أن أسهم في خدمة هذا العلم الجليل.
٢ - إن موضوع القواعد الفقهية لا يزال بحاجة إلى مزيد من العناية والاهتمام من قبل الباحثين، فهناك كثير من الجوانب لم تحظ بدراسة وافية لمباحثها وتفصيلاتها، ومن ذلك قواعد الضمان.

1 / 9

٣ - مسيس الحاجة إلى دراسة هذا العلم الجليل وإبرازه؛ وذلك للاستفادة منه في حلّ كثير من المسائل النازلة والحوادث الجديدة المعاصرة، لا سيما ما يتعلق بقضايا الضمان ومسائله.
٤ - إن موضوع الضمان له أهمية كبرى في الفقه الإسلامي؛ لأنه موضوع حيوي يتكرر وقوعه ويكثر النّزاع فيه والسؤال عنه، ففي دراسة قواعده وضوابطه فائدة عظيمة ومنفعة جليلة.
٥ - إنني من خلال هذا البحث سأتمكن من دراسة كثير من مسائل العقود والمعاملات في الفقه الإسلامي، وهذا فيه فائدة كبيرة.
٦ - إن القواعد والضوابط الفقهية في باب الضمان متناثرة، وقد يبذل الباحث جهده ويتعب نفسه في جمعها والوقوف عليها؛ نظرا لتفرق مادتها في كتب العلماء، فأردت جمعها ودراستها في مؤلف لتكون قريبة التناول سهلة المأخذ؛ لما في ذلك من فائدة عظمى لا تخفى على الباحثين.
٧ - إنني لا أعلم أحدا - بعد البحث والتقصي - كتب في هذا الموضوع، فأردت أن أكتب فيه، عسى أن يكون في هذه الكتابة سدّ لهذه الثغرة.
بيد أنني أريد أن أنبه في هذا الصدد، أن هناك كتابًا اسمه "نظرية الضمان أو أحكام المسؤولية المدنية والجنائية في الفقه الإسلامي" للأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي، وقد عقد فيه فصلًا خاصا بقواعد الضمان الفقهية، وأثناء قراءتي لهذا الفصل لاحظت عليه ما يأتي:
أولًا: إن هذا الفصل مختصر لم يتجاوز خمسا وأربعين صفحة، وقد ذكر المؤلف أنه سيتكلم عليها بإيجاز، فقال في منهجه فيها: «وسنقصر كلامنا على شرح القاعدة وتوضيح معناها وإيراد الأمثلة عليها» (^١).

(^١) نظرية الضمان للزحيلي (ص ١٨٨).

1 / 10

ثانيًا: إن المؤلف أدخل فيها بعض القواعد التي ليست بوثيقة الصلة بباب الضمان، كأن تكون قاعدة كبرى، كقاعدة: (الضرر يزال)، أو تكون في موضوع آخر، كقاعدة: (يلزم مراعاة الشرط بقدر الإمكان).
ثالثًا: إن المؤلف ذكر عشرين قاعدة فحسب، وقد ذكرت في رسالتي هذه أربعين قاعدة وضابطا.
رابعًا: إن هذا الشرح اقتصر في الغالب الكثير على المذهب الحنفي.
وأختم كلامي على هذا الفصل بنقل كلام للدكتور يعقوب الباحسين حيث يقول: «ففي كتاب "نظرية الضمان" للدكتور وهبة الزحيلي نجد المؤلف عقد فصلا خاصا للقواعد الفقهية المتعلقة بالضمان، ذكر فيه عشرين قاعدة فقهية، شرحها وعلق على كل واحدة منها على انفراد. ولكن مثل هذا العمل محدود، ومنهج الدراسة فيه لم يكن القصد منه تكوين تصور كلي عن الموضوع» (^١).
[جـ] خطة البحث:
تشتمل خطة البحث على مقدمة وتمهيد وأربعة أبواب وخاتمة، وذلك على النحو الآتي:
المقدمة:
تحتوي المقدمة على:
(أ) الافتتاحية.
(ب) أهمية الموضوع، وأسباب اختياره.
(جـ) خطة البحث.

(^١) القواعد الفقهية للباحسين (ص ٤٣١ - ٤٣٢).

1 / 11

(د) منهج البحث.
(هـ) شكر وتقدير.
التمهيد:
يشتمل التمهيد على مبحثين:
المبحث الأول: التعريف بالقاعدة الفقهية:
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف القاعدة الفقهية.
المطلب الثاني: الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي.
المبحث الثاني: دراسة موجزة عن الضمان:
وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الضمان لغة واصطلاحا.
المطلب الثاني: الألفاظ ذات الصلة بالضمان.
المطلب الثالث: مشروعية الضمان.
المطلب الرابع: أركان الضمان.
المطلب الخامس: شروط الضمان.
المطلب السادس: أسباب الضمان.
المطلب السابع: أنواع الضمان.
الباب الأول: القواعد المتعلقة بأسباب الضمان:
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: القواعد المتعلقة بسبب الإتلاف.
وفيه ثلاثة مباحث:

1 / 12

المبحث الأول: قاعدة: من أتلف نفسا لنفع يعود إلى نفسه فلا ضمان عليه، وإن كان النفع يعود إلى غيره فعليه الضمان.
وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: في صيغ القاعدة.
المطلب الثاني: في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة.
المطلب الثالث: في المعنى الإجمالي للقاعدة.
المطلب الرابع: في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة.
المطلب الخامس: في نقد القاعدة.
المطلب السادس: في شروط دفع الصائل.
المطلب السابع: من فروع القاعدة.
المبحث الثاني: قاعدة: لا يجب الضمان بإتلاف ملكه إلا إذا تعلق به حق لغيره.
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: في صيغ القاعدة.
المطلب الثاني: في شرح الكلمات الغريبة والمصطلحات العلمية في القاعدة.
المطلب الثالث: في المعنى الإجمالي للقاعدة.
المطلب الرابع: في أقوال الفقهاء وأدلتهم في القاعدة.
وفيه فرعان:
الفرع الأول: في حكم إتلاف المرء ماله.
الفرع الثاني: في ضمان الإنسان ما أتلف من ماله.

1 / 13