Tuhfat al-labīb fī sharḥ al-taqrīb

تحفة اللبيب في شرح التقريب

Editor

صبري بن سلامة شاهين

Publisher

دار أطلس للنشر والتوزيع

تحفة اللبيب

في

شرح التقريب

تأليف

الإمام الحافظ العلامة

ابن دقيق العيد

٦٢٥ هـ - ٧٠٢ هـ

تحقيق

صبري بن سلامة شاهين

دار الطلائع للنشر والتوزيع

1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة التحقيق

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾

﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾

فقسم الله المؤمنين فرقتين: فرقة أوجب عليهم الجهاد في سبيله

5

لحماية حوزة الدين، ورد كيد الطغاة المجرمين: أعداء الملة والدين. والفرقة الأخرى أوجب عليهم التفقه في الدين، وطلب العلم الشرعي، ومعرفة الحلال والحرام. فحفظ الله بالمجاهدين بيضة الإسلام وبالعلماء شريعة الإيمان. فهم الذين يخشون الله من عباده، وهم الذين لا يستوون مع الذين لا يعلمون. وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء والعاقبة للمتقين. وقال رسول الله الأمين ﷺ: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدین)). متفق عليه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: ((ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة)) رواه مسلم.

فإن خير ما يُقطع به الوقت، وتُشغل به النفس، وتُفنى فيه الأعمار، ويسعى به العبد إلى مرضاة الرب، ويقصم به ظهر العدو الألد. هو العلم الذي يصلح الاعتقادات ويخلصها من الأهواء، ويصلح الأعمال وينقيها من الأدواء. والعلم علمان: علم التوحيد والعقائد وهذا العلم له مظانه وكتبه. وعلم الفقه: فقه العبادات والمعاملات. وهذا الكتاب ثمرة من ثمرات هذا العلم، وحلقة من حلقاته، وهو شرح لمتن من متون الفقه الشافعي، ولكن الشارح ابن دقيق العيد رحمه الله لم يكن متعصباً لمذهبه فهو قبل أن يبرع في الفقه الشافعي فقد برع في الفقه المالكي حتى أتقنه، وصار يفتي في المذهبين، ولكنه خرج من دائرة التقليد في المذهبين إلى ساحة الاجتهاد، فأثبت فيها بجدارة أنه بحق حامل لوائه، فكان هذا الكتاب

6

ثمرة من ثمرات جهوده المباركة في خدمة الدين وإبراء الذمة أمام الرب يوم العرض عليه، فكان ما كان، ونسأل الله له القبول وحسن المثوبة والجزاء.

وها أنا ذا أقوم على إخراج هذا الكتاب بقدر الوسع والاستطاعة وإن كنت لست من أهل هذا الفن على الحقيقة. ولا أقول ذلك لأدرأ عن نفسي تهمة الرياء الخفي أو أستجلب لها المدح والثناء، ويعلم الله أني أطمع في أن أتعلق بطرف من الفضل أنأى به عن الجهل، عساي أن أحوز على الخير وأشارك القوم فهم ((القوم لا يشقى بهم جليسهم .. )) كما ثبت ذلك عن المعصوم ﷺ رواه البخاري.

ولو لم يك من فوائد هذا العمل وأمثاله في الدنيا إلا تنظيف الأوقات عن الاشتغال بسفاسف الأعمال ورعونات الطباع لكان حري بي أن أقوم بمثل هذا العمل.

وكان العمل في بدايته مشاركة بيني وبين الأخ عبد الرحمن الجميزي الذي قام على نسخ وتحقيق قطعتين من الكتاب إلى اللوحة (٩/ أ) ومن (٥٣/ ب إلى ٦٤ب) ونسخ فقط من (٢٠/ب إلى ٢٥/أ) ومن (٦٥ / أ إلى ٧٠/ أ) ثم اعتذر الأخ عبد الرحمن عن إكمال هذا العمل وقد استعنا بأحد الإخوة جزاه الله خيراً الذي نسخ الجزء المتبقي من الكتاب على الحاسب الآلي. وعن طريق الخطأ قمت بنسخ وتحقيق الجزء الذي قام به الأخ عبد الرحمن من (٥٣/ب إلى ٦٤/ب) ولم أنتبه إلى ذلك إلا

5

بعدما فرغت تماماً من عملي في هذا الكتاب وقمت بمراجعة الكتاب كاملاً وفي أثناء المراجعة تبين لي تكرار العمل في هذا الجزء المشار إليه.

ونسأل الله عز وجل أن يحسن النية ويوفق للصواب ويرشد للسداد إنه ولي ذلك والقادر عليه.

8

عملي في هذا الكتاب

والنسخ المعتمدة فيه

اعتمدت على إخراج هذا الكتاب على مخطوطة من مصورات مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بالرياض تحت رقم حفظ ٥٠/ ف عدد اللوحات ١٠٨ لوحة مسطرتها ٢٥ سطر مقاس ٢٢٫٥×١٥ سم كتبت بخط نسخي سنة ١٠٩٦ هـ، اسم الناسخ محمد بن رمضان. كتب النص بالمداد الأسود داخل جداول بالحمرة وكذا بعض الحروف والكلمات والفواصل بالحمرة.

جاء اسم الكتاب على الغلاف هكذا: ((كتاب الكفاية في شرح الغاية)). بينما نص المصنف في مقدمة الكتاب على تسمية الكتاب بـ: ((تحفة اللبيب في شرح التقريب)). وهو شرح لمتن القاضي أبي شجاع المسمى ((الغاية والتقريب)) لذا سُمِّي هذا الكتاب بهذين الاسمين.

ولمَّا لم أعثر على نسخة أخرى للكتاب قابلت عناءً شديداً في توثيق النص وإخراجه بصورة مرضية إلى حد كبير.

ولقد وقفت على عدة نسخ لمتن أبي شجاع مطبوعة وعليها بعض الحواشي والشروحات؛ نسخة من المتن طبعت قديماً بمكتبة الجمهورية المصرية بجوار الأزهر الشريف ليس عليها أية حواشٍ أو تعليقات ومشكولة شكلاً تامًّا. وليس عليها تاريخ الطبع، ونسخة ثانية تحقيق ماجد الحموي من منشورات دار ابن حزم سنة ١٤١٥هـ،

9

ونسخة ثالثة عليها تعليقات تحقيق محمد لبيب من منشورات دار الصحابة سنة ١٤١٣ هـ، ونسخة رابعة التذهيب في أدلة متن الغاية والتقريب للدكتور مصطفى البغا من منشورات دار ابن كثير سنة ١٤٠٩ هـ، ونسخة خامسة فتح القريب المجيب شرح محمد بن قاسم الغزي الشافعي من منشورات مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي سنة ١٣٧١ هـ، ولهذا الكتاب اسم آخر: القول المختار في شرح غاية الاختصار، ونسخة سادسة عليها شرح موسع: كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار للإمام العلامة أبي بكر بن محمد الحسيني حققها الدكتور علي أبو الخير ومحمد وهبي سليمان من منشورات دار الخير سنة ١٤١٦ هـ.

والنسخة الأخيرة: الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع تأليف شمس الدين محمد بن أحمد الشربيني الخطيب؛ حققها الدكتور علي أبو الخير ومحمد وهبي سليمان من منشورات دار الخير سنة ١٤١٧ هـ.

اعتاد المصنف رحمه الله أن يذكر كلام القاضي أبي شجاع ويصدره بقوله قال: وإذا شرع في الشرح والتعليق قال: قلت: وربما يذكر كلام المتن ثم يتبعه بكلامه هو دون أن يفصل بين الكلامين بقوله قلت: فأضفتها وجعلتها بين معكوفين وأشرت في الحاشية إلى ذلك.

وقد يذكر المصنف عبارة من المتن ثم يدع تكملتها فأضفتها من نسخ المتن المشار إليها سالفًا وأشرت إلى ذلك في الحاشية.

وقد وجدت بعض الأخطاء والتصحيفات فصوبتها من كتب

10

التخريج وأصول وقواعد اللغة.

خرجت الأحاديث تخريجاً مختصراً فما كان في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالعزو فقط وما كان في غيرهما من السنن والمسانيد والمعاجم نقلت أقوال أهل الخبرة القدامى أو المحدثين في التصحيح والتضعيف وما لم أقف عليه فلا أتجشم الأمر، ولم أقل فيه برأيي.

حاولت قدر المستطاع أن يخرج الكتاب موثقاً مضبوطاً كما أراد المصنف أو قريباً مما أراد، ولا أدعي العصمة أو الخلو من الزلل، ولكني فررت من الخلل، وتجنبت الوقوع في الخطل، فإن تم ذلك وحصل المراد فهذا فضل ربي وإني شاكرٌ لأنعُمِهِ. وإن كانت الأخرى - وهو مما لابد منه - فحسبي أني بذلت فيه جهدي، وأفرغت فيه وسعي، وقدمت اعتذاري لما سلف مني بين أيدي إخواني. فإذا وقفوا على خطأ بعد أو بان لهم عيب مما شرد ومني وند، فرحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي، وأوقفي على أخطائي وزلاتي. ((والدين النصيحة)).

وترجمت لصاحب المتن القاضي أبي شجاع، ثم ترجمت للمصنف الشارح ابن دقيق العيد ترجمتين مختصرتین.

والله المسئول وحده، وهو المان بفضله، أن يتقبل هذه الجهود، ويجعلها في موازين الحسنات، ويعفو عن الزلات والسيئات للقاضي أبي شجاع صاحب هذا المتن المبارك، وللإمام الشارح ابن دقيق العيد صاحب هذا الشرح الفائق الذي أتحف به الألباء وزين به طلبة العلم الفضلاء، وللمحقق العبد الفقير صاحب الزلات والتقصير؛ أبي

11

عبدالرحمن صبري بن سلامة بن سلامة بن شاهين. وها هي التحفة بين أيديكم راجين الله عز وجل أن ينفع بما فيها في العاجل والآجل، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

12

ترجمة صاحب المتن

رحمه الله

قال السبكي في طبقاته(١):

(أحمد بن الحسن بن أحمد الأصبهاني. القاضي أبو شجاع، صاحب ((الغاية في الاختصار)) ووقفت له على ((شرح الإقناع)) الذي ألفه الماوردي.

قال ياقوت في ((البلدان))(٢) في الكلام على عبّادان، ما نصه: وإليها ينسب القاضي أبو شجاع أحمد بن الحسن بن أحمد الشافعي العباداني. روى عنه السِّلَفيّ، وقال هو من أولاد الدهر، درّس بالبصرة أزيد من أربعين سنة في مذهب الشافعي قال: ذكر لي ذلك في سنة خمسمائة، وعاش بعد ذلك مالا أتحققه، وسألته عن مولده فقال: سنة أربع وثلاثين وأربعمائة بالبصرة وأن والده مولده أصبهان). انتهى كلام السبكي رحمه الله.

وقال ابن قاضي شهبة في طبقاته(٣):

(أحمد بن الحسن بن أحمد الأصبهاني القاضي أبو شجاع صاحب غاية الاختصار. قال السبكي في الطبقات الكبرى: وقفت له على شرح

(١) طبقات الشافعية (١٥/٦ رقم ٥٦٧).

(٢) معجم البلدان (٨٤/٤ رقم ٨١٣٧) وفيه: ووالدي مولده عَيَّادان وجدّي الأعلى أصبهان.

(٣) طبقات الشافعية (٢٩/٢-٣٠).

13

Tuhfat al-labīb fī sharḥ al-taqrīb | Usul