Al-Shubahāt wa-atharuhā fī al-ʿuqūba al-jināʾiyya fī al-fiqh al-islāmī muqāranan biʾl-qānūn

الشبهات وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنا بالقانون

Publisher

مطبعة الأمانة

Edition

الأولى ١٤٠٦هـ

Publication Year

١٩٨٦م

مقدمة:
بسم الله الذي يهدي إلى الحق، وإلى الطريق السوي المستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده١.
وصلى الله عليه سيدنا محمد وآله وصحبه، بعثه الله للناس بما يحييهم وأمرهم بالاستجابة إليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ٢، وأنزل عليه شريعة من الأمر قويمة محكمة تهدف خير الناس، ونفعهم ودفع الحرج عنهم، شريعة ربطت الدنيا بالآخرة، فعاش المسلم في ظلها ينعم بطاعة الله، وثوابه في كل ما يأتيه من عمل صالح، ويراقب الله ويخشى عقابه على كل ما قاربه من شر أو ضرر، ظهر ذلك واضحًا في نتاج الفكر الإسلامي، الذي سبر أغوار الحياة، وشمل جوانبها، فلم يجد فيها صحيحًا واضحًا قويمًا إلا ما شرعه الله ﷾ لخلقه، وما ذلك إلا تصديقًا لما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ: "تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما، لن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنتي".
وهذان هما الدستور، يحكمان حيان الإنسان بما وضعا من نظم، وتشريعات، وقواعد تنظم السلوك الإنساني:
وتعني هذه الدراسة بجانب من الجوانب التشريعية الإسلامي إلا وهو تشريعات التجريم، والعقاب في الفقه الإسلامي.

١ من الآية ٨٨ من سورة الأنعام.
٢ من الآية ٢٤ من سورة الأنفال.

1 / 5

هذا الجانب الذي توهم أدعياء التحضر أنه لا يواكب الحضارة البشرية في عصرها الحديث، وهم واهموان في هذا جانبهم الصواب فيما ذهبوا إليه.
ودعواهم هذه وأن كانت تستهدف أبعاد التقنينات الإسلامي عن مجال التطبيق، فإنها توجب أيضًا على المشتغلين بالفكر الإسلامي أن يشحذوا هممهم لكشف كنوز تراثهم وتشريعاتهم، وبهذا يمكنهم أن يدحضوا كل هذه الافتراءات بالحجة والدليل.
وهذا ما حدى بي إلى أن أنتحي هذا الجانب من الدراسة التشريعية إذ أنه في تقديري من أهم ما يجب دراسته، وإبانة ما فيه من فكر إسلامي عادل وقويم إذا ما قيس، وقورن بالفكر الوضعي في هذا المجال، مغتنمًا هذه الصحوة الدينية التي كثيرًا ما يسمع صوتها، وهو ينادي بتطبيق الشريعة الإسلامية، وإحلالها بدلًا من التقنينات الوضعية، وعلى الأخص في مجال التجريم والعقاب، هذا الجانب الذي عطل في أكثر بلاد العالم الإسلامي، واستعيض عنه بالفكر البشري الذي يخضع للتغيير، والتبديل نتيجة الهوى والرغبة، ولا غرو فهو في غالبه فكر حل بلادنا مع ظروف قهر، واستبداد وتسلط من المخرب الأجنبي الذي ادعى لنفسه أنه يريد أن يعمر بلادنا، وحتى في أشد أوقات العداء له أطلقنا عليه كلمة مستعمر، ولا عجب فما أكثر أسماء الأضداد استعمالًا بين شعوب الأمة الإسلامية.
إن عجز القوانين الوضعية عن الوصول إلى مخرج مما يزداد انتشارًا كل يوم بين صفوف الأمة من جرائم، وفساد أصبح أمرًا واضحًا لا يحتاج إلى برهان، بل إن التقنينات الوضعية بما وضعت من نظم تكون أحيانًا عاملًا من عوامل إذكاء روح الجريمة بين الناس.

1 / 6

إن ذلك كله أصبح عاملًا ملزمًا لكل مسلم، ومريد للخير أن يوجه إلى الطريق السوى بقلمه وفكره، وبكل ما في وسعه، ومن بين ما يقدم في هذا المجال الدراسة الفقهية التي تكشف ما في الفقه الإسلامي من تفوق، وسمو على كل التقنينات، والفكر الوضعي.
وأن الفقه الإسلامي في شتى مجالاته، وعلى الأخص في مجال التجريم والعقاب قد وصل بالناس إلى بر الإمان يوم حكمهم، وقضى بينهم بقضائه العادل، ومبدئه القويمة الرشيدة.
وليس ذلك من باب العاطفة الدينية التي لا يقوم عليها دليل، وإنما الدليل واضح نطق به إنسان غير مسلم يوم قال لعمر قولته المشهورة: حكمت فعدلت، فأمنت فنمت يا عمر.
وقد كان عمر -رضي الله تعالى عنه- منفذا لتعاليم الإسلاام قاضيًا بين الناس بقانون العدل وقضائه، ولم تكن لديه هذه الكثرة الكثيرة من السجون التي تعج بمن فيها من مجرمين عائدين محترفين، أن حال الأمة الإسلامية الآن ينادي بأعلى صوته. يطلب عودة إلى ما كانت الإمة عليه يوم لم يكن فيها مسجون، ولا سجن ولا مظلوم، ولا مهضوم، واستوى الناس فيها أمام حكم الإسلام، فاقتضص عمر لأحد رعاياه من حاكم مصر، وجلس علي وهو خليفة المسلمين بجوار يهودي أمام قاض من رعية علي ومحكوميه، ويطلب القاضي من علي البينة، والدليل على كل ما يقول.
إأن كل ما خطه البشر من تقنينات وضعية لم يبق حال الجريمة على ما هي عليه، وهذا أضعف الثمرات المرجوة منه وأدناها، وإنما زادت الجريمة عما كانت عليه من ذي قبل، في ظل هذه التقنينات الوضعية، واحترف المجرمون، وتزايد عدد معتادي الإجرام، والعائدون إلى

1 / 7

السجون، وطفح الكيل، فعقدت الندوات والمؤتمرات تبحث عن حلول، وتطلب علاجًا، جربوا كل عقاقير الفكر ولم يصلوا، مع أن الدواء الناجح أمامهم، وهم يصدون أبصارهم عنه.
أنه العلاج الذي قدره من خلق الناس وعلم ما ينفعهم، وليس ذلك محض خيال، وإنما هو الواقع المجرب.
لهذا كله، ودعوة إلى محاولة إقناع عن طريق المقارنة بين النظام التشريعي الجنائي الإسلامي، والتقنينات الوضعية، في جانب من قواعده الحاكمة -إن صح التعبير وجازت المقارنة- ولتقديم دليل جديد لكل من أراد المعرفة، وتطلع إلى حلول وعلاج -إن كان صادقًا في تطلعاته ونواياه- أقدم هذه الدراسة حول مبدأ من مبادئ الترشيع العقلي الإسلامي العادل، هذا المبدأ الذي يعد تجسيدا واضحًا لكل ما حاط به هذا التشريع الإسلامي الإنسان من راعية، وحماية وأمن وأمان، لم يضارعه في ذلك أو يدانيه أي تقنين وضعي أيا كان واضعه، ومقننه.
وسيتضح ذلك بإذن الله تعالى وعونه فيما قدمت من دراسة لموضوع الشبهات، وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنًا بالقانون، ولا يخفى أن المقارنة أن أجيزت، فإنما هي مقارنة بين ما شرع منذ أربعة عشر قرنًا، ولا يزال ثابتًا شامخًا عظيمًا لم ولن يتغير؛ لأنه لا تبديل لكلمات الله ذلك الدين القيم، وبين أحدث ما وصلت إليه النظريات القانونية الوضعية.
والشريعة وإن كانت أجل من أن تقارن بغيرها من التقنينات الوضعية، إلا أن هذه الدراسة محاولة لدحض مزاعم لم تبن على دراسات علمية، إذ هي دعاوى قد صدرت عمن لم يدرس الشريعة

1 / 8

ولم يقف على ما فيها من أحكام محكمة، ودعاوى تصدر عن جهل أحكام هذه الشريعة دعاوى باطلة، ومفتراه ولا عجب.
فقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وقد ينكر الفم طعم الشهد من سقم
وقد قسمت هذه الدراسة إلى تمهيد وبابين وخاتمة:
أولًا: التمهيد:
"كلمة عامة عن الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي المقارن"
ويتكون من فصلين:
الفصل الأول: كلمة عامة عن الجريمة في الفقه الإسلامي المقارن، ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الجريمة والجناية، وبيان ما بينهما من اتفاق، وتعريف الجريمة عند القانونيين، وتقسيمها إلى جناية وجنحة ومخالفة.
المبحث الثاني: أقسام الجريمة:
وفيه خمسة مطالب:
"أ" المطلب الأول: أقسام الجريمة باعتبار ما تقع عليه.
"ب" المطلب الثاني: أقسام الجريمة باعتبار العقوبة المستحقة.
وما يترتب على ذلك من حيث إمكان العفو عن الجاني، ومدى ما للقاضي من سلطة حيال العقوبة الحدية.

1 / 9

ج: المطلب الثالث: أقسام الجريمة باعتبار الحق المعتدى عليه، وما لكل قسم من هذه الأقسام من سمات من حيث لزوم الخصومة، أو مواصفات الإثبات، أو التقادم والتوبة وما ينتج عنها من آثار في كل من الشريعة والقانون.
د: المطلب الرابع: أقسام الجريمة من حيث القصد وعدمه، وإشارة إلى الجرائم المقصودة وغير المقصودة بين المباشرة، وعدمها.
هـ: المطلب الخامس: الجريمة من حيث الإيجاب والسلب.
المبحث الثالث:
أركان الجريمة: وفيه ثلاثة مطالب:
أ: المطلب الأول: الركن الشرعي للجريمة، وما يتصل به من قاعدة لا تجريم، ولا عقاب إلا بشرع مبلغ، وما يرتبط بهذه القاعدة من سريان النص من حيث الزمان والمكان والأشخاص، وحدود ذلك من الشريعة والقانون.
ب: المطلب الثاني: الركن المادي للجريمة، وما يتصل من المساهمة الجنائية، وعقوبة كل من المساهمين في رأي فقهاء الشريعة والقانون.
ج: المطلب الثالث: الركن الأدبي للجريمة، وما يتصل به من الإدراك والإرادة المختارة.
الفصل الثاني: العقوبة وبعض الجوانب المتعلقة بها، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: العقوبة وأقسامها.
ويشتمل على مطلبين:

1 / 10

أ: المطلب الأول: تعريف العقوبة عند اللغويين، وفقهاء الشريعة والقانونيين.
ب: المطلب الثاني: أقسام العقوبة إذ ينقسم باعتبارات مختلفة إلى أقسام عدة:
فتنقسم باعتبار ذاتيتها إلى:
١- عقوبة أصلية.
٢- عقوبة بديلة.
٣- عقوبة تبعية.
وتنقسم باعتبار التحديد وعدمه إلى:
١- عقوبة حدية.
٢- عقوبة تعزيزية.
ثم بيان المراد بالعقوبة الحدية، مع ذكر عقوبة الزنا في كل من الشريعة والقانون. وعقوبة السرقة، وآراء الفقهاء في القطع في السرقة الأولى، ثم عقوبة الحرابة. وعقوبة شرب الخمر، وبيان الرأي في كونها عقوبة حدية، أم تعزيزية ثم عقوبة الردة.
المبحث الثاني:
بعض سمات التشريع العقابي في كل من الشريعة والقانون، ويشتمل على ثلاثة مطالب:
أ: المطلب الأول: أهداف التشريع العقابي، ورعاية ظروف الجاني.
ب: المطلب الثاني: موقف الشريعة والقانون من العقاب على الجريمة منذ نشأة فكرتها.

1 / 11

ج: بين الشريعة والقانون في مجال التنظيم العقابي من حيث أحكام البناء التشريعي، وأساس التشريع العقابي، وما يترتب عليه.
الباب الأول: الشبهات:
ويشتمل على تمهيد وثلاثة فصول.
أما التمهيد: فيتناول بيان مدى حرص الإسلام على أن يستر الإنسان أخاه.
الفصل الأول:
تعريف الشبهة، وبيان الرأي في أعمالها في الحدود، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول:
المراد بالشبهة عند اللغويين، وفقهاء الشريعة وبيان ما يجري مجرى الشبهة من الشك والنسيان، أو السهو وما يتصل بذلك من حديث عن القاعدتين الأصوليتين: اليقين لا يزال بالشك، والأصل براءة الذمة، وأثر هاتين القاعدتين في التقنينات الحديثة، والفرق بين أعمال كل من هاتين القاعدتين في كل من الفقه الإسللاامي، والقانون الوضعي.
المبحث الثاني:
أثر الشبهة في الحد: وهو عبارة عن بيان ما ذهب إليه كل ممن أعمل الشبهة، ومن لم يعملها ومناقشة ذلك.
الفصل الثاني:
الشبهات التي تعتري أركان الجريمة.
ويشتمل على مبحثين:

1 / 12

المبحث الأول:
الشبهات التي تعتري الركن الشرعي.
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
أ: المطلب الأول: شبهة الدليل.
ب: المطلب الثاني: شبهة الحق.
ج: المطلب الثالث: شبهة الملك.
وتنقسم هذه الشبهة إلى:
١- شبهة الملك الخالص.
٢- شبهة الملك المشترك.
٣- شبهة إباحة الملك. مع بيان ما قيل في ذلك من آراء.
المبحث الثاني:
الشبهات التي تعتري القصد الجنائي.
ويشتمل على مطلبين:
أ: المطلب الأول: بيان المراد بالجهل وأقسامه من حيث الاعتداد به في درء العقوبة الحدية من عدمه، مع بيان وجهة نظر فقهاء القانون في الجهل بالأحكام.
ب: المطلب الثاني: بيان المراد بالإرادة، وبيان المراد بالإكراه، وما يعتد به منه في درء العقوبة الحدية.
الفصل الثالث:
الإثبات:
ويشتمل تمهيدًا، وثلاثة مباحث:
التمهيد: وفيه تعريف الإثبات، وبيان طرقه التي سيعرض لها البحث.

1 / 13

المبحث الأول: الإقرار.
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
أ: المطلب الأول: شروط المقر الذي يعتد بإقراره في إلزامه العقوبة الحدية، وآراء الفقهاء في ذلك.
ب: المطلب الثاني: شروط في الإقرار الذي يعتد به، والقول في الرجوع عنه فيما يتصل بحق الله ﷾.
ج: المطلب الثالث: الإقرار عند فقهاء القانون، ومقارنة ذلك بما جاء عن فقهاء الشريعة.
المبحث الثاني: الشهادة.
ويشتمل على مطلبين:
أ: المطلب الأول: شروط في الشاهد الذي يعتد بشهادته، وما يتصل بذلك من الحديث عن الرؤية، والذكورة والنطق والرأي فيه.
ب: المطلب الثاني: شروط في الشهادة من حيث وضوحها، وإفادتها اليقين، ورأي
فقهاء الأحناف في مسألة التقادم، وقدرة المشهود عليه على الدفاع عن نفسه، والرأي في ذلك.
المبحث الثالث: القرائن.
معناها وأعمالها في إثبات الحدود والرأي في ذلك.
الباب الثاني: الجرائم الحدية.
الشبهات التي تعتريها، وما لها من أثر في عقوباتها، ويشتمل على خمسة فصول.
الفصل الأول: جريمة الزنا، وما يتعلق بها من شبهات.
ويشتمل على ثلاثة مباحث:

1 / 14