Al-Suḥub al-wābila ʿalā ḍarāʾiḥ al-ḥanābila

السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة

Editor

بكر بن عبد الله أبو زيد، عبد الرحمن بن سليمان العثيمين

Publisher

مؤسسة الرسالة

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م

Publisher Location

بيروت - لبنان

السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة
تأليف
محمد بن عبد الله بن حميد النجدي ثم المكي
(١٢٣٦ هـ - ١٢٩٥ هـ) رحمه الله تعالى
حققه وقدم له وعلق عليه:
بكر بن عبد الله أبو زيد … في مدينة النبي ﷺ
د/ عبد الرحمن بن سليمان العثيمين … مكة المكرمة - جامعة أم القرى
مؤسسة الرسالة

المقدمة / 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذا كتاب: «السّحب الوابلة على ضرائح الحنابلة» لجامعه الشيخ محمد بن عبد الله بن حميد النّجدي ثم المكي، الحنبلي، المولود في بلده: «عنيزة» قاعدة القصيم، سنة ١٢٣٦ هـ، والمتوفى بالطائف سنة ١٢٩٥ هـ- رحمه الله تعالى-. كان قد بلغ من العلم مبلغا وشدا، وأمّ في المسجد الحرام وخطب، ودرّس، وأفتى، وألّف في المذهب الحنبلي وحقّق، وأسند، وأرّخ، وكان من مؤلفاته هذا الكتاب الذي ذيّل به على «طبقات ابن رجب المتوفى سنة ٥٩٧ هـ من حيث وقف ابن رجب في وفيات سنة ٧٥١ هـ، إلى قرب وفاة ابن حميد سنة ١٢٩٥ هـ، فحوى: «٨٤٣» ترجمة لعلماء الحنابلة خلال خمسة قرون ونصف قرن تقريبا.
وقد قرأت هذا الكتاب من أوّله إلى آخره فرأيت عليه مجموعة كثيرة من الملاحظات، والمؤاخذات، تتكون من قسمين اثنين:
القسم الأول:
مؤاخذات باعتبار المؤلّف «ناقلا لتراجم الحنابلة من كتب التراجم العامة»، فينقل الترجمة برمتها بما فيها من مؤاخذات. وهي طريقة مشتركة بينه وبين عامة المؤلفين لا سيما تراجم المتأخرين بعد انتشار الطّرق الصوفية وتعظيم القبور، وضعف

المقدمة / 5

التحقيق في التوحيد.
وهي في الأنواع الآتية:
١ - نعت المترجم له بتلقّي الطرق الصوفية، وأخذها بالإسناد، ولبس الخرقة، وتولّي مشيختها.
وهذا النوع في مواضع كثيرة قيدت أرقام تراجمها في أول تعليق على الترجمة رقم: ٥، ورقم: ٣٧.
٢ - وبالقبوريّات: من التبرك بها، وشدّ الرحال إليها والقراءة عندها، وإنشاد القصائد لها، والسؤال بالجاه، وما إلى ذلك كما في التعليق على التراجم رقم: ٧١، ١٥٩، ٥٠٦، ٥٤٨، ٥٩٢، ٦٩٩، ٧٩١.
وللمؤلف في بعض هذه، والتي قبلها نصيب.
٣ - تحليته بمناهي لفظية: في إطلاقها غلوّ وإطراء، مثل:
الغوث، القطب الصمداني، قاضي القضاة .. ونحوها كما في التراجم رقم: ١٧١، ٢٠٧، ٣٥٢، ٣٨٤، ٤٢٣، ٤٧٥، ٦٦٥، ٧٢٤، ٧٣٣.
أو تعبيد اسم لغير الله- تعالى- كما في التراجم- عرضا- رقم: ٨٤، ١٥٤، ٥١١، ٨٣٢.
٤ - اتخاذ الزّوايا، والدّفن فيها، كما في الترجمة رقم: ٣٠٠.
٥ - عدّ بعض البدع من ممادح المترجم له، مثل: بدعة الركب الرّجبي كما في الترجمة رقم: ٤٠.

المقدمة / 6

٦ - توسيع الدّعوى في الرّؤى والأحلام، كما في الترجمة رقم:
٢٨٣.
وقد جرى التعليق على هذه المؤاخذات باختصار، والحوالة على أول تعليق رغبة عن التكرار.
القسم الثاني:
مؤاخذات على المؤلف في كتابه باعتباره (قائلا)
وهذه في مواقف له تعارض الدعوة الإصلاحية التي قام بها الإمامان المحمدان: محمد بن سعود المتوفّى سنة ١١٧٩ هـ، ومحمد ابن عبد الوهاب، المتوفى سنة ١٢٠٦ هـ، - رحمهما الله-. كما في عدد من التراجم ابتداء من الترجمة رقم: ٣٣، والمشار في حاشيتها إلى المواضع الأخرى.
وهذا الحمل منه على علماء التوحيد، وولاة أمر المسلمين قد جرّ المؤلّف إلى التجاهل، بإسقاط تراجمهم الحافلة بدءا من الإمامين المحمدين المذكورين، وأقرانهما وتلاميذهما، إلى الآخر، فأمسى تأليفه هذا بفعله: مشوّها، مخدّجا.
وخلاصة تحطّطه: ثورة غضبية، فيها سباب ولجّة، ونبز بالألقاب وخفّة، لم أر فيها للحجة مكانا، وسياقا، ولا للرأى دليلا، وتبيانا، وأنّى له؟
ولهذا قرّر عامة مترجميه أن مسلكه هذا، نفثة مصدور، وصحبة منكود، يجمع ذلك أمران:
الأول: أنه في الطّلب تلقّى عن بعض العلماء في التوحيد، والفقه، على الاتباع والصفاء، ثمّ تلقّى العلم عن من يجمع الطّمّ

المقدمة / 7

والرّم، فأثّرت فيه المشارب الكدرة.
الثاني: كانت له نوع وجاهة في المسجد الحرام بالدخول تحت مظلة المناوئين للدعوة، ولحماتها.
ومعلوم أنّ التخلص من حظوظ النفس يحتاج إلى رسوخ في الاعتقاد، وأعوان أخيار.
وإلا فالمؤلّف كان معظّما لشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم- رحمهما الله تعالى- حفيّا بكتبهما، مولعا بخدمة المذهب، وتراجم علمائه.
وقد مضى لسبيله، نسأل الله العفو والمغفرة للجميع آمين.
وكم حصل لهذه الدعوة المباركة، ولولاة أمرها من خصوم، ذهبت أصواتهم أدراج الرياح العاتية، وقامت الدعوة الإصلاحية على سوقها سالمة من شوائب الشرك والوثنية، ومن البدع والأهواء المضلّة، نافذة إلى أرجاء العالم، تحت راية التوحيد، يذب عنها ولاة الأمر آل سعود، ملوك المملكة العربية السعودية- أجزل الله مثوبتهم وخلّد ملكهم- آمين.
ولجميع ما تقدم من المؤاخذات على الكتاب ومؤلفه، اتخذ علماؤنا هذا الكتاب مهجورا، لا يعوّلون عليه، ولا يرجعون إليه إلا الفرد بعد الفرد، ينقلون منه باعتبار مؤلّفه ناقلا لا باعتباره قائلا، لكن في عام ١٤٠٩ هـ ظهر هذا الكتاب مطبوعا تحت اسم دار نشر، لا نعلم لاسمها وجودا- وقد يكون مسمّاها معلوما باسم آخر- ظهر دون التعليق على مواطن المؤاخذات والأخطاء فيه، مكتفيا

المقدمة / 8

ناشره بكلمات عابرة في المقدمة، والله- سبحانه- محاسب كلّ عبد على عمله وقصده.
وقد رأى سماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز، أن يعاد طبع الكتاب على أصوله الخطية، ويعلّق على مواضع الخطأ فيه بما تقتضيه الأمانة، وتوجبه الديانة، فوصلتني رغبته في ذلك برسالته رقم ٧٩٥ خ بتاريخ ١٩/ ٥/ ١٤١٠ هـ الموجهة إليّ، وإلى فضيلة المحقق الشيخ عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، الأستاذ بجامعة أم القرى، والمشهور بتحقيقاته الماتعة لعدد من الكتب التّراثية، فوجدت أن هذا من أداء بعض ما يجب.
حينئذ تولّى فضيلة الشيخ عبد الرحمن تحقيق الكتاب وتخريج تراجمه، وتدارك الفوت على مؤلّفه بحواش ممتعة حسان مشبعة بالعلم والتحقيق، جامعة لعزيز الفوائد، والتدقيق في التراجم، ولمّ شتات «البيوتات الحنبلية» بما لا يقوى عليه إلا هو، ولا أقول مثله؛ لأنه في زماننا متفرد بخدمة تراجم علماء المذهب عن تحقيق وتدقيق وبصيرة نافذة في تحرير التعاليق- أجزل الله مثوبته، وجعله في ميزان حسناته-.
وأما تعليقاتي على الكتاب فهي محدودة، وقليلة جدا، في حدود التعليق المختصر على المؤاخذات المذكورة بقسميها، على أن الشيخ عبد الرحمن- أثابه الله- قد كتب تعليقات متعددة على بعض هذه المؤاخذات هي غاية في التحقيق، كافية عن التطويل، وبها يتأدّى المقصود، وقد رغبت منه الاكتفاء بعمله، لكنه أبى إلا المشاركة، فتمّت بالقدر المذكور.

المقدمة / 9

وأدع التبيان عن معارف الكتاب، وتقويمه، لفضيلة محققه الشيخ عبد الرحمن بن سليمان العثيمين. إذ صاحب البيت أدرى بما فيه.
والله ولي التوفيق. والحمد لله رب العالمين.
وكتب بكر بن عبد الله أبو زيد في مدينة النبي «ﷺ» ٦/ ٧/ ١٤١٦ هـ

المقدمة / 10

مؤلّف الكتاب
اسمه ونسبه:
هو محمّد بن عبد الله بن عليّ بن عثمان بن عليّ بن حميد بن غانم (^١) من آل أبو (^٢) غنّام الّذين هم من ذريّة مسرور بن زهريّ بن جرّاح الثّوريّ السّبيعيّ، فهو ثوريّ سبيعيّ، ربابيّ ثم عامريّ على من يرى أنّ سبيع من الرّباب، ثم التّميميّ على من يرى أنّ الرّباب من تميم، على حدّ قول الشّاعر (^٣):
يعدّ النّاسبون بني تميم … بيوت العزّ أربعة كبارا
يعدّون الرّباب لها وعمرا … وسعدا ثمّ حنظلة الخيارا
(وآل أبو غنّام) (^٤) الأسرة التي تنتمي إليها أسرة الشّيخ (آل حميد) ينتسب إليها (آل يحيى) أمراء عنيزة لآل الرّشيد، و(آل عبيّد) الذين منهم المؤرّخ الأديب محمّد بن عليّ العبيّد (ت ١٣٨٩ هـ) وقد أدركته- ﵀ في عنيزة وجالسته وأفدت منه، وهو سبط الشّيخ المترجم (ابن حميد) ومنهم: (آل حميدان) في بلدة الهلاليّة من بلدان القصيم (^٥) … وغيرهم.

(^١) علماء نجد: ٨٦٢.
(^٢) تعمدت إبقاءها كما تنطقها العامة، وهي لغة فيها مشهورة.
(^٣) هو ذو الرمة؛ ديوانه: ١٣٧٧، ١٣٧٨.
(^٤) علماء نجد: ٨٦٢.
(^٥) المصدر نفسه.

المقدمة / 11

ومن ذرّيّة زهري بن جرّاح: (آل السّليم) - بضمّ السّين أمراء عنيزة، ومنهم: (آل زامل) وهم من (آل سليم) فهم أسرة واحدة، ويرجعون هم وآل السّليم إلى جدّ أعلى اسمه زامل أيضا.
وينتسب إلى زهري بن جرّاح كثير من الأسر في عنيزة وغيرها من البلاد النّجديّة، ومن كان منها خارج عنيزة فأصله منها، كآل نصر الله في روضة سدير و(آل إسماعيل) و(آل سحيم) في أشيقر … وغيرهم.
والمؤلّف (ابن حميد) ينسب (العنيزيّ) نسبة إلى بلده، وذريّة زهريّ بن جرّاح هم الّذين عمروا مدينة عنيزة فهو ذو أصل عريق فيها، فهي بلد آبائه وأجداده. و(عنيزة) اسم قديم جاهليّ يطلق على هذه البقعة قبل عمارتها واستنباط مياهها وسكناها، ورد ذكرها في كثير من أشعار العرب في الجاهليّة والإسلام، إلّا أنّها لم تعرف على أنّها بلدة ذات عمران ومحالّ وأسواق وزرع ونخل إلّا قبيل القرن السّابع الهجريّ، قال الشّيخ محمّد بن عبد العزيز بن مانع (^١): «لقد أنشئت عنيزة سنة. ٦٣ هـ تقريبا؛ لأنّه معلوم بما استفاض عند أهل القصيم بأنّ أول من سكن عنيزة هو زهريّ بن جرّاح الثّوريّ، وتحقّقنا بأنّ الموجودين الآن هم ذرّيّته؛ إذ أغلبهم بينهم وبينه ثلاث وعشرون أبا، وباعتبار علماء النّسب يجعلون لكلّ أب ثلاثين سنة في الغالب».
أقول: عنيزة تضمّ أحياء متعدّدة ويطلق عليها مجتمعة عنيزة

(^١) يراجع المحلق بتاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد: ٢٣٢ فما بعدها.

المقدمة / 12

وهي: (الجناح) و(المليحة) و(والجادّة) و(العقيليّة) و(الخريزة) و(الضّبط) وكلّ حيّ من هذه الأحياء تسكنه- في الغالب- أسرة ذات شوكة من آل زهريّ بن جرّاح ما عدا (الجناح) فإنّه قرية شبه مستقلّة يسكنه آل جناح وسمّي الحيّ باسمهم، وهم من آل جبور من بني خالد، وهو أقدم عمارة منالأحياء الأخرى، وتمّت عمارته قبل التّأريخ المذكور عن الشّيخ ابن مانع- ﵀، فآل جناح في عنيزة قبل آل زهريّ بن جرّاح. وبنو خالد قبيلة عامريّة أيضا.
و(العقيليّة) منسوبة إلى عقيل بن إبراهيم بن موسى بن محمّد ابن بكر بن عتيق بن جبر بن نبهان بن مسرور بن زهري بن جرّاح.
ذكر الشّيخ مقبل الذّكير في تاريخه في حوادث سنة ١٠٩٧ هـ العقيليّة وأنّ أهلها آل أبو غنّام. أقول: هم أسرة الشّيخ ابن حميد، وكانت لهم صولة فقد ذكر المؤرّخون في حوادث سنة ١١١٠ هـ أنّ آل أبو غنّام هؤلاء سطوا على أهل الخريزة وآل بكر بالمليحة وأخرجوهم من بلدة عنيزة.
وفي سنة ١١٩٥ هـ سطا آل أبو غنّام وآل جناح في العقيليّة واستولوا عليها، إلى غير ذلك.
وعنيزة لها تأريخ حافل فقدت أغلب أخباره، وانطمست أكثر معالمه وآثاره، فلم يبق إلّا نتف هنا وهناك ممّا احتفظت به ذاكرة المؤرّخين وأوردوه في مجاميعهم، وذلك شأن كثير من مثيلاتها من المدن النّجديّة، وخاصّة المراكز العلميّة التي كانت تحفل بالعلماء

المقدمة / 13