425

Tathbīt dalāʾil al-nubuwwa

تثبيت دلائل النبو

Publisher

دار المصطفى-شبرا

Edition

-

Publisher Location

القاهرة

وباب آخر [دعوة الرسول لنصارى نجران للمباهلة وخضوعهم له]
من أعلامه ﷺ، وهو أن نصارى نجران وغيرهم من النصارى دعاهم إلى الإسلام فقالوا: أسلمنا قبلك فكذبهم في قولهم بأنهم قالوا: لله ولد، وعظّموا الصليب، وأكلوا الخنزير. فقال شيخ منهم كبير فيهم: من أبو عيسى؟
فسكت النبي ﷺ وكان لا يعجل حتى يأمره الله، فأنزل الله ﷿ «ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ» إلى قوله: «إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» «١» فقرأ رسول الله ﷺ عليهم ذلك، ثم دعاهم إلى المباهلة وأخذ بيد الحسن والحسين وعليّ وفاطمة رضوان الله عليهم. فقال واحد منهم لمن معه من النصارى: أنصف الرجل، وتشاوروا وقال قائل منهم: إنه لصادق ولئن باهلتموه ليحرقن.
فقالوا له: لا نبارزك، وكرهوا الإسلام، وأقروا بالجزية، وسألوه أن يقبلها منهم فأجابهم إلى ذلك، وقال ﷺ: «والذي نفسي بيده، لو باهلونا «٢» لأضرم الله عليهم الوادي نارا، فرضوا بالجزية وانصرفوا بالخزي.
فانظر إلى هذا الاحتجاج في أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، احتجاج غير متكلف ولا متعمل ولا مخالط للمتكلمين ولا هو في بلد الجدل صنعتهم. فأشار لك بهذه الإشارة التي هي من جوامع العلم ومفاتيح الحكمة كما قال ﷺ: «أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارا» فإن خلق آدم من أكبر الحجج على النصارى، وخلقه أبدع، لأنه خلق من غير ذكر

(١) آل عمران ٥٩- ٦٢
(٢) انظر لتفصيل هذه المباهلة سيرة ابن هشام ٢: ٥٧٣

2 / 426