369

Tathbīt dalāʾil al-nubuwwa

تثبيت دلائل النبو

Publisher

دار المصطفى-شبرا

Edition

-

Publisher Location

القاهرة

كثرتهم ووحدته، وصدقت وعدي بمنعي عنه وعصمتي له، وأكذبت أقاويلهم، وهو معنى قوله: «وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا» فتأمل هذا ففيه آيات بينات باهرات، وهذا الخطاب والعذل والاستزادة إنما هي للمؤمنين. ألا تسمع قوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» . وأيضا فلا يجوز أن يقول للعدو: «إلا تنصروه» .
ولقد قال العلماء من السلف: إن الله أفرد أبا بكر الصديق بفضل الصبر على جميع المؤمنين من غير تأثيم لهم، كأنه يقول: لو صبرتم مثل صبره ولم تترخصوا لكان ذلك أفضل، فإن أبا بكر يفضل صبره عليهم. وقوله:
«لا تحزن» ليس بنهي، وإنما هو بشرى، كقوله لموسى وهرون: «لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى» «١» وكقوله لأم موسى: «وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ» «٢» وقوله: «إن الله معنا، بالنصر والتأييد، كما قال: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» «٣» . وأبو بكر في هذا الحزن ممدوح لأنه خاف على رسول الله ﷺ الأذى والعنف من المشركين، فجازاه الله بأن بشره أنه/ معهما بالنصر والتأييد. قال أهل العلم في قوله: «فأنزل الله سكينته عليه»، يعني على أبي بكر، فأما النبي ﷺ فقد كانت السكينة عليه قبل ذلك.
ومن حديث عبد الملك بن عمير، عن أسيد بن صفوان، أن علي بن أبي طالب ﵁ قال وهو يثني على أبي بكر حين توفى: كنت ثاني اثنين، وصاحبه، والمنزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة والمواطن الكريمة. وقالوا

(١) طه ٤٦
(٢) القصص ٧، وفي الأصل: لا تخافي إنا رادوه ...
(٣) النحل ١٢٨

2 / 370