فأجمعوا على هذا الرأي، ورسول الله ﷺ لا يعلم ذلك، ولا أحد من المسلمين. فأتاه جبريل فأخبره بما عزموا عليه، وأمره بالهجرة. فاجتمعوا ببابه ينتظرون اجتماع الفتيان ليقتلوه في ليلته، فخرج وهم ببابه وهو يتلو: «وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» «١» وجعل على رؤوسهم التراب، ومضى إلى بيت أبي بكر في الهاجرة، وقد كان يأتيه في كل يوم مرة، فأتاه في ذلك اليوم مرتين: في الهاجرة وفي ساعة مبكرة، وخلا بأبي بكر وأخبره بما عزمت عليه قريش، وبما أتاه جبريل به، وقال له: إنّ ربي قد أمرني بالهجرة وأن آخذك معي، فبكى أبو بكر مسرورا.
وقد كان أبو بكر أعدّ راحلتين يعلفهما ورق التمر منذ أخبره رسول الله ﷺ بأنه ينتظر أمر ربه في الهجرة. فخرجا جميعا من بيت أبي بكر، وصار إلى الغار، وطلبته قريش فلم تجده صبيحة ذلك اليوم، وطلبت أبا بكر فلم يجده، فتحرقوا والتهبوا، وهاجوا يطلبونه ويطلبون أبا بكر بمكة وشعابها وجبالها، وجعلوا لمن أتاهم برسول الله ﷺ مائة ناقة، ولمن أتاهم بأبي بكر مائة ناقة، أسيرين أو مقتولين. وقد كان رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁ تغشّ: ببردي ونم في مضجعي فإنه لا بأس عليك، ولن يصلوا إليك. وصار رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى الغار، وسارت قريش في طلبهما ومعهم قائف «٢» .
وحين دخل/ رسول الله ﷺ وأبو بكر الغار، ضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، فلما انتهوا إلى فم الغار ومعهم القائف يطلب آثارهما، فلما انتهى إلى ثور انقطع الأثر، فقال قائل منهم: ادخلوا الغار،
(١) ياسين ٩
(٢) هو الذي يقتفي الأثر