* تضاريس مكة

تقع مكة على 21 درجة ونصف درجة تقريبا عرضا شماليا وعلى نحو 40 درجة طولا وترتفع عن سطح البحر بنحو 280 مترا.

وتقع في واد تحيط به الجبال وتنحدر سيولها فيه (1)، وإذا عصفت الرياح في مرتفعات الجبال اندفعت الى بطن الوادي فيما يشبه الدوامات وتعذر تعيين ملتقى الرياح إلا في بعض الحالات.

وجوها حار جاف تختلف حرارته بين 18 درجة في شهور الشتاء و30 درجة في شهور الصيف ، وقد ترتفع الحرارة في بعض السنوات الى ما يزيد على 40 درجة.

* أسماء مكة

وقد سماها القرآن مكة كما سماها بكة وأم القرى والبلد الأمين (2).

ويذكر بعض علماء الإسلام أنها سميت مكة لقلة مائها ، وهم يقولون أمتك الفصيل ضرع أمه إذا امتصه ، ويقول بعضهم سميت مكة لأنها تمك الذنوب أي تذهب بها أو لأنها تمك الفاجر أي تخرجه منها ، كما قيل أنها سميت بكة لأن الناس فيها يبك بعضهم بعضا أي يدفع.

Page 21

ونقل عن بطليموس (1) أن اسمها (مكوربا) وهو مشتق من الاسم السبئى مكوارابا ومعناه مقدس أو حرم.

* قدم مكة

وقد عرفت مكة من أحقاب طويلة ممعنة في القدم قبل عهد ابراهيم فقد كانت الكعبة مثابة للناس قبل بناء ابراهيم كما تروي ذلك مصادر اسلامية كثيرة.

ولا نشك أنها كجزء من بلاد العرب استقبلت هجرات سابقة تعدد فيها أنواع المهاجرين من أجناس البشر تعددا لا نستطيع تعيينه لأن المصادر التي توسعت في ذلك لا يمكن التسليم بما كتبت تسليما قاطعا لأن اكثر كتابها عاشوا في العصر الإسلامي الأول متأخرين عن ذلك العهد بأحقاب طويلة المدى ولم يكن لديهم من المصادر إلا المنقول عن تشويش واضطراب.

Page 22

* خصب مكة وجفافها

أما التاريخ الذي أنتجته دراسة الآثار وأسفرت عنه كتابات الجيولجيين فقد أطال في بخوثه لا عن مكة وحدها بل عن جزيرة العرب قاطبة وكان مما ذكره أن صحاريها القفراء كانت في عهد من عهود التاريخ المجهولة مروجا خضراء آهلة بالسكان لأن غيوم الرياح الغربية الشمالية كانت تصل إلى الجزيرة قبل أن تفقد رطوبتها فتنهال الأمطار على قممها العالية وتجري في وديانها أنهارا ، فتروي أراضيها وتسقي مروجها ، ولعل في عمق الوديان التي نشاهدها اليوم ما يشير الى شيء من حقيقة هذا الرأي ويذكر تقي الدين الفاسي في شفاء الغرام عن الفاكهي بسند رفعه الفاكهي الى ابن اسحاق ان الحجاز كانت أسحر أرض الله وأكثرها ماء.

ويعلل الجيولجيون الحدب الذي طرأ فيقولون أن عوامل الجفاف الطبيعي ما لبثت أن حالت بالتدرج على مر الاحقاب دون وصول الغيوم المرطبة فحرمت الجزيرة من أنهار جارية.

ولا أستبعد هذا لأن المشاهد أن سورة الجفاف في عهودنا الحاضرة اشتدت وطأتها عن عهود سلفت فاختفت واحات كثيرة كانت معروفة في العهد الجاهلي وصدر الإسلام كما اختفى كثير من المناطق الخصبة التي كان يزرعها اليهود في المدينة وثقيف في الطائف وقريش حول مكة ونضب كثير من العيون والآبار وقل شأن السيول التي كان يفيض بها عقيق المدينة والطائف ووادي ابراهيم في مكة (1).

Page 23

والمعمرون في مكة وكثير من مدن الجزيرة يعلمون أن منسوب المياه ومساحة المناطق الخصبة كانت الى قرن سابق أحسن منها اليوم وأن بساتين مكة في أطرافها وضواحيها كانت منتشرة الى مسافات بعيدة مما لم يبق له أثر نتيجة اطراد الجفاف ، ويرى بعض الجيولجيين أن الجفاف سيطرد أمره في الجزيرة على مر العصور وأن نسلنا سيعاني منه أكثر مما نعاني إلا في المناطق الجنوبية لقريبة من المحيط الهندي.

* نشأة مكة

وسواء صح نقل المؤرخين الاسلاميين في شأن من هبط مكة قبل عهد ابراهيم أو لم يصح وسواء ثبت استنتاج الجيولجيين عن خصوبة هذه الأرض في عهود مجهولة من التاريخ أو لم يثبت فان مما لا مجال للشك فيه أنه يصح اعتماد هجرة اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام إلى مكة مبدأ واضحا لتاريخ مكة ولسنا نعني أن جميع التفاصيل التي ذكر المؤرخون أنها لازمت هذه الهجرة أو أعقبتها كانت من الوضوح والصحة بحيث لا يتسرب الينا شك فيها ولكنها

كانت منقولة وحسب كما أن بعضها أشار إليه الحديث الشريف واستكملت البعض الآخر روايات أهل الكتاب وقد بذل المؤرخون الذين جاءوا متأخرين في تصفية ما انتهى اليهم فكان بعضهم دقيقا ما أمكنته الدقة كما أن بعضهم لم يتحرج في ايراد ما صادفه من حشو ولغو.

وإذن فسنبدأ كتابنا من عهد اسماعيل محاولين أن نقتصر على النتائج التي ترتبت عليها نشأة مكة لنربط الماضي بالحاضر تاركين الروايات المطولة التي لابست هجرة اسماعيل لمن أراد أن يستقصيها في كتب التاريخ الإسلامي.

Page 24

* في عهد اسماعيل

قدم اسماعيل مكة أول ما قدمها طفلا في صحبة أمه وأبيه ومكة إذ ذاك فلاة ينبت فيها السلم والسمر (1) وقد قيل أن العماليق سكنوها قبل قدومه (2) وأن اسماعيل لم يصلها حتى كانت جرهم قد حلت محل العماليق في ظروف لم تثبت كيفيتها في التاريخ وبذلك سكنت جرهم وادي مكة أو على مسافة قصيرة منها.

وتتعدد روايات مؤرخي الإسلام في تفسير الظروف التي لابست هجرة اسماعيل الى مكة ونزوله فيها مع أمه وأبيه وهي فلاة لا تنبع فيها قطرة ماء ولكنهم يتفقون على أن ابراهيم عليه السلام ما كاد يودع اسماعيل هذه القفار حتى توجه يدعو الله ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ) كما يتفقون على أن اسماعيل عليه السلام ما كاد يرهقه العطش حتى ظهر لأمه نبع زمزم فشربت وأروته (3).

وتسامعت جرهم بخبر البئر في رواية من يقول أن جرهم كانت تسكن على مسافة قصيرة من مكة فاستأذنت لتنقل بيوتها حول البئر واحتضنت اسماعيل فنشأ بينها وتعلم منها العربية وتزوج من فتياتها فأنجبت نسلا أطلق عليه المؤرخون اسم العرب المستعربة.

وجاء إبراهيم عليه السلام ليتفقد ابنه ويبلغه أن الله يأمر ببناء البيت الحرام ويتفقا على رفع قواعده حيث بدت لهم علامات خاصة في القطعة

Page 25

المختارة للبناء على خطوات من بئر زمزم (1) ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ).

ولما ارتفع البناء وشق على الشيخ تناوله قرب اسماعيل عليه السلام حجرا يقوم عليه أبوه ليبلغ به المدى الذي يمكن أن يبلغه فوق الحجر فسمي الحجر مقام ابراهيم لقيامه عليه أو سمي المكان بذلك حيث ترك الحجر والحجر باق الى اليوم على حافة المطاف في المكان الذي تركه فيه ابراهيم في بعض الروايات أو على غير بعيد من المكان الذي تركه فيه في روايات أخرى ، ومن أجل هذا اختلف المفسرون في تفسير كلمة (مقام ابراهيم) فيطلقها بعضهم على الحجر نفسه كما يطلقها بعضهم على المكان الذي وضع فيه الحجر كما يطلقها بعضهم على المسجد أو جميع الحرم إلى حدود الحل.

وهكذا أنشأ اسماعيل مكة ورفع أبوه بمعونته قواعد البيت.

صورة الكعبة كما بناها ابراهيم عليه السلام وهى كما تبدو قليلة الارتفاع واسعة العرض مدورة جهة حجر اسماعيل ويظهر الفرق فى هندستها اذا قورنت بشكل بنائها فيما بعد كما سيأتينا.

والرسم من تصميم الشيخ طاهر الكردى الخطاط بمكة

** جرهم وقطورا :

ولما توفي اسماعيل تولى الأمر أبناؤه حتى انتهى الى حفيده مضاض ابن عمرو الجرهمي (2)، وكان الجرهميون قد انقسموا الى قسمين :

Page 26

جرهم وقطورا ، وقد سكن مضاض بمن معه من جرهم أعلى مكة وقعيقعان كما سكنت قطورا وعلى رأسها السميذع أجيادا وأسفل مكة فما حاز ذلك ، وكان مضاض يعشر من دخل مكة من أعلاها وكان السميدع يعشر من دخل من أسفلها ، وكل من البطنين على جباله لا يدخل واحد منهما على صاحبه (1).

ومن هذا يبدو لنا أن مكة عندما انقضى على تأسيسها العهد الذي عاش فيه اسماعيل الى أن ولى الأمر حفيداه مضاض في جرهم والسميذع (2) في قطورا وهو ما يقدره المؤرخون بنحو قرنين من الزمان كان السكن في مكة قد امتد بجرهم من بطن الوادي بجوار زمزم آخذا سمته الى قعيقعان في الشمال ونسميه أو بعضه اليوم (جبل الهندي) والى الشمال الشرقي بما يحاذي القشاشية والمسعى متوجها الى أعلى مكة ، كما تغلغل أبناء عمومتهم من قطورا في شعب أجياد إلى ما يتصل بالسد من ناحية وفي شارع المالية الى المصافي من ناحية أخرى ، ثم انحدرت منازلهم بانحدار الوادي من أجيادين في ما نسميه المسيال حتى اتصلت بأطراف المسفلة كما يبدو أن الأحياء الأخرى من مكة لم يتصل بها العمران إلا في قرون متأخرة ولعلها كانت كذلك لوعورة الأرض فيها قبل ان تمهدها الحاجة للسكنى.

ولسنا نشك في أن مضارب السكان كانت من الشعر ، وكانت تتلاصق مرة وتتباعد مرات في حواشي الوادي ، وبين ثنيات الجبال في صور لا تختلف كثيرا

Page 27

عما نشاهده في مضارب البدو بين ظهرانينا اليوم.

** الخلاف بين جرهم وقطورا :

وما لبثت أن اختلفت جرهم مع قطورا ، فخرج مضاض بن عمرو من قعيقعان في كتيبة سائرا الى السميذع

والسيوف والجعاب تقعقع معه ، ولذلك سمى جبلهم قعيقعان ، وخرج السميذع بقطورا ومعه الرجال والجياد ، ولذلك سميت منطقتهم أجيادا حتى التقوا بفاضح (1) فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل السميذع ، وتراجعت قطورا ثم تداعوا للصلح.

** ولاية مضاض :

ثم صاروا حتى نزلوا المطابخ (2) حيث اصطلحوا فيه وأسلموا الأمر الى مضاض بن عمرو الجرهمي ، وبذلك استقام له الأمر في مكة (3).

** خزاعة :

وظل الأمر على ذلك حتى استخفت جرهم بأمر البيت فسلط الله عليهم قبيلا من اليمن من أولاد قحطان فأزاحهم في أواخر القرن الثالث أو أوائل القرن الرابع الميلادي ، وذلك أن عمرو بن ماء السماء وينتهي نسبه الى امرىء القيس ثم يعرب بن قحطان وكانت منازله في جنوب الجزيرة ارتحل وقومه من منازلهم فرارا من حوادث سيل العرم ثم سار من بلد الى بلد لا يطأ بلدا إلا غلب عليه أهله وقهرهم ، ثم يرتحل وقومه ليبحثوا عن أفضل منه حتى وصلوا مكة ، وعليها مضاض فأبت جرهم أن تنزلهم طوعا وتعبأت لقتالهم فاقتتلوا ثلاثة أيام ، ثم انهزمت جرهم فلم ينج منهم إلا الشريد ، وبذلك تم الفتح للقحطانيين واستقام الأمر لهم في مكة (4).

Page 28

ولا يتناسب المناخ وطبيعة الجو في مكة مع ما ألفه القحطانيون ، وقد عاشوا في جنوب الجزيرة حيث الخصوبة ووفرة المياه وسهولة الأرض ، فارتحلت أكثر بطون القبيلة ترتاد البلاد التي تتناسب وما ألفت ، وانخزعت بمكة بطن من القحطانيين أي انقسمت وتلك هي خزاعة وبذلك ورثت خزاعة الحكم في مكة ، وقام سيدها ربيعة بن حارثة بالأمر فيها.

وكان بعض بني اسماعيل قد اعتزلوا في فترة الحرب وقبلها أخوالهم من جرهم غير راضين عن أعمالهم في مكة كما أنهم لم يسايروا المغيرين من قحطان أو يناوئوهم بل ظلوا في حيادهم منعزلين حتى إذا استتب الأمر لخزاعة سألوهم السكنى معهم وحولهم فأذنوا لهم.

ولما انتهى أمر مكة الى عمر بن لحي سيد خزاعة تمنى عليه رئيس حكومة مكة السابق مضاض الجرهمي (1) أن يأذن له في السكنى بمكة فأبى عليه ذلك ونادى في قومه من وجد منكم جرهميا قد قارب الحرم فدمه هدر (2).

ونزعت ابل لمضاض تريد مكة بعد جلائه عنها فخرج في طلبها حتى وجد آثارها قد دخلت مكة فمضى الى الجبال من ناحية أجياد حتى ظهر على أبي قبيس يتبصر الابل في بطن الوادي فأبصر الابل تنحر وتؤكل ولا سبيل اليها فخاف ان هبط الى الوادي أن يقتل ، فولى منصرفا الى أهله ، وأنشد يقول :

كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا

أنيس ولم يسمر بمكة سامر

Page 29

في قصيدة أوردها كثير من المؤرخين ولا أجدني جريئا كل الجرأة في الأخذ بصحة نسبتها الى مضاض إلا إذا صح لدي ما يثبت أن لغة الجرهميين كانت في مثل هذه الألفاظ السلسة ، ومثل هذه المعاني الواضحة (1). وظلت خزاعة على أمرها في مكة يحكمها كبيرها عمرو بن لحي الذي بلغ بمكة من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله حتى قالوا ان الرجل منهم كان إذا ملك ألف ناقة فقأ عين فحلها وقد ففأ عمرو بن لحي عين عشرين فحلا (2):

وكان عمرو أول من أطعم الحاج بمكة سدايف الابل ولحمانها على الثريد وعم في تلك السنة جميع حاج العرب بثلاثة أثواب من برد اليمن ، وكان قوله فيهم دينا متبعا لا يخالف وهو الذي وصل الوصيلة وحمى الحام وسيب السائبة ونصب الأصنام حول الكعبة وجاء بهبل من الجزيرة فنصبه في بطن الكعبة ، فكانت العرب تقتسم بالأزلام وهو أول من غير دين ابراهيم عليه السلام فقد كان كثير الأسفار وربما تأثر بالفينقيين أو الأشوريين أو المصريين وهم جيران الجزيرة العربية فنقل وثنيتهم الى مكة وقد يقال أن العرب

Page 30