Tahdhīb al-asmāʾ waʾl-lughāt
تهذيب الأسماء واللغات
Editor
مكتب البحوث والدراسات
Publisher
دار الفكر
Edition
الأولى
Publication Year
1996 AH
Publisher Location
بيروت
| 1 |
Page 1
المنهاج السوي في ترجمة الإمام النووي للإمام جلال الدين أبو الفضل عبد
الرحمن السيوطي المتوفي 911 ه
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة الكتاب
الحمد لله العزيز الحكيم الرؤوف الرحيم ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وأشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له رب السموات والأرض وما بينهما ورب العرش الكريم وأشهد ان محمدا عبده ورسوله المخصوص بالاصطفاء والتكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي الفضل الجسيم
هذه اوراق فيها ترجمة الشيخ الإمام شيخ الإسلام ولي الله تعالى محيي الدين أبي زكريا النووي رحمه الله ذكرت فيها بعض مناقبه الكريمة وسميتها المنهاج السوي في ترجمة الإمام النووي فأقول
نسب الإمام النووي وفضائله
هو الإمام أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف بن مري بضم الميم وكسر الراء كما رأيته مضبوطا بخطه ابن حسن بن حسين بن جزام بكسر الحاء المهملة وبالزاي المعجمة النووي ثم الدمشقي محرر المذهب ومهذبه ومحققه ومرتبه
إمام أهل عصره علما وعبادة وسيد أوانه ورعا وسيادة
العلم الفرد فدونه واسطة الدرع والجوهر السراج الوهاج فعنده يخفى الكوكب الأزهر
عابد العلماء وعالم العباد وزاهد المحققين ومحقق الزهاد
لم تسمع بعد التابعين بمثله أذن ولم تر ما يدانيه عين وجمع له في العلم والعبادة محكم النوعين
راقب الله في سره وجهره ولم يبرح طرفة عين عن امتثال أمره ولم يضيع من عمره ساعة في غير طاعة مولاه إلى أن صار قطب عصره وحوى من الفضل ما حواه وبلغ ما نواه فتشرفت به نواه ولم يكن له من ناواه
( وإذا الفتى لله أخلص سره
فعليه منه رداء طيب يظهر )
( وإذا الفتى جعل الإله مراده
فلذكر عرف ذكي ينشر )
Page 5
أثنى عليه الموافق والمخالف وقبل كلامه النائي والآلف وشاع ثناؤه الحسن بين المذاهب ونشرت له راية مجد تخفق في المشارق والمغارب
من سلك منهاجه أيقن بروضة قطوفها دانية ومن تتبع آثاره فهو مع الصالحين في رياض عيونها جارية ومن لزم أذكاره ومهذب أخلاقه فالخير فيه مجموع ومن أستقى من بحره ظفر بأروى وأصفى ينبوع
فيه ثبت الله أركان المذهب والقواعد وبين معمات الشرع والمقاصد فطابت منه المصادر والموارد وعذبت مناهله للصادر والوارد
( وليس على الله بمستنكر
ان يجمع العلم في واحد )
وقال فيه الشيخ تاج الدين السبكي في طبقاته الشيخ الإمام شيخ الإسلام أستاذ المتأخرين وحجة الله على اللاحقين ما رأت الأعين ازهد منه في يقظة ولا منام ولا عاينت أكثر اتباعا منه لطرق السالفين من امة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام
له التصانيف المفيدة والمناقب الحميدة والخصائل التي جمعت طارف كل فضل وتليده والورع الذي خرب به دنياه وجعل دينه معمورا والزهد الذي كان به يحيى سيدا وحصورا هذا إلى قدر في العلم لو اطل على المجرة لما ارتضى سربا في اعطانها أو جاوز الجوزاء لما استطاب مقاما في اوطانها أو حل في دارة الشمس لأنف من مجاورة سلطانها وطالما فاه بالحق لا تأخذه لومة لائم ونادى بحضرة الأسود الضراغم وصدع بدين الله بمقال ذي سريرة يخاف يوم تبلى السرائر ونطق معتصما بالباطن الطاهر غير متلفت إلى الملك الظاهر وقبض على دينه والجمر ملتهب وصمم على مقاله والصارخ للأرواح منتهب ولم يزل رحمه الله طول عمره على طريق أهل السنة والجماعة مواظبا على الخير لا يصرف ساعة في غير طاعة
وقال ابن فضل الله في المسالك شيخ الإسلام علم الأولياء قدوة الزهاد ورجل علم وعمل ونجاه سؤل وأمل وكامل قل مثله في الناس من كمل
وفق للعلم وسهل عليه ويسر له وسير إليه من اهل بيت من نوى من كرام القرى وكرامة أهل القرى لهم بها بيت مضيف لا تخمد ناره ودار قرى لا تحمل مناره
طلع من امم سادات وجمع لكرمهم عادات وجمع لهممهم أطراف السعادات
ونبت فيهم نباتا حسنا ونبغ ذكاء ولسنا واتى دمشق متلقيا للأخذ من علمائها متقللا من عيشها حتى كاد يعف فلا يشرب من مائها فنبه شكره ونهب مدى الآفاق ذكره وحلو اسمه وذكر تصنيفه وعلمه
Page 6
فلما توسد الملك الظاهر أمانيه وجذم نفسه من الظلم بما كاد يأتي قواعده من مبانيه وكتب له من الفقهاء من كتب وحمله سوء رأيه على بيع آخرته بشيء من الذهب ولم يبق سواه فلما حضر هابه وألقى إليه الفتيا فألقاها وقال له لقد أفتوك بالباطل ليس لك أخذ معونة حتى تنفذ اموال بيت المال وتعيد انت ونساؤك ومماليكك وأمراؤك ما اخذتم زائدا عن حقكم وتردوا فواضل بيت المال اليه
وأغلظ له في القول فلما خرج قال اقطعوا وظائف هذا الفقيه ورواتبه
فقيل له إنه لا وظيفة له ولا راتب
قال فمن أين يأكل
قالوا مما يبعث اليه أبوه
فقال والله لقد هممت بقتله فرأيت كان أسدا فاتحا فاه بيني وبينه لو عرضت له لالتقمني
ثم وقر له في صدره وقر ومد إليه يد المسألة يسأله وما افتقر
ثم كانت سمعة النواوي التي شرقت وغربت وبعدت وقربت
وعظم شان تصانيفه وبان البيان في مطاول تأليفه ثم هي اليوم محجة الفتوى وعليها العلم وما تم سوى سببها الأقوى
قال تلميذه الشيخ علاء الدين بن العطار في ترجمته التى جمعها له
أوحد عصره وفريد دهره الصوام القوام الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة صاحب الأخلاق الرضية والمحاسن السنية العالم الرباني المتفق على علمه وامانته وجلالته له الكرامات الواضحة
والمؤثر بنفسه وماله للمسلمين
ولد في العشر الأوسط من المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة بنوى
قال ابن العطار وذكر لي بعض الصالحين الكبار انه ولد وكتب من الصادقين ونشأ بنوى وقرأ القرآن
فلما بلغ سبع سنين وكانت ليلة السابع والعشرين من رمضان قال والده وكان نائما إلى جنبي فانتبه نحو نصف الليل وأيقظني وقال يا أبت ما هذا النور الذي قد ملأ الدار
فاستيقظ أهله ولم نر شيئا فعرفت أنها ليلة القدر
بلوغه العشرين والتقاء الشيخ المراكشي به
به فلما بلغ عشر سنين وكان بنوى الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي من اولياء الله تعالى فرآه والصبيان يكرهونه على اللعب معهم وهو يهرب منهم ويبكي لإكراههم ويقرأ القرآن في تلك الحالة
قال فوقع في قلبي محبته
وجعله أبوه في دكان فجعل لا يشتغل في البيع والشراء عن القرآن
Page 7
قال الشيخ ياسين فأتيت الذي يقرئه القرآن فوصيته به وقلت له هذا الصبي يرجى ان يكون أعلم اهل زمانه وازهدهم وينتفع الناس به
فقال أمنجم انت فقلت لا وإنما أنطقني الله بذلك
فذكر ذلك لوالده فحرص عليه إلى ان ختم القرآن وقد ناهز الاحتلام
قال ابن العطار قال الشيخ فلما كان عمري تسع عشرة سنة قدم بي والدي إلى دمشق سنة تسع وأربعين فسكنت المدرسة الرواحية وبقيت نحو سنتين لم أضع جنبي إلى الأرض وكان قوتي جراية المدرسة لا غير
قال حفظت التنبيه في أربعة أشهر ونصف وحفظت ربع المهذب في باقي السنة
قال ولما قرأت قول التنبيه يجب الغسل من إيلاج الحشفة كنت اظن انها قرقرة الجوف وقعدت مدة أغتسل منها بالماء البارد حتى تشقق ظهري
قال وجعلت أشرح وأصحح على شيخنا الإمام العالم الزاهد الورع أبي إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي الشافعي ولازمته فأعجب بي لما رأى من اشتغالي وملازمتي وعدم اختلاطي بالناس واحبني محبة شديدة وجعلني معيد الدرس في حلقته لأكثر الجماعة
قال فلما كانت سنة إحدى وخمسين حججت مع والدي وكانت الوقفة تلك السنة يوم الجمعة وكانت رحلتنا من اول رجب فأقمت بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من شهر ونصف
مرضه في أثناء الحج
قال والده ولما توجهنا للرحيل من نوى أخذته الحمى إلى يوم عرفة
قال ولم يتأوه قط فلما عدنا إلى نوى ونزل هو إلى دمشق صب الله عليه العلم صبا فلم يزل يشتغل بالعلم ويقتفي آثار شيخه أبي إبراهيم إسحاق في العبادة من الصلاة وصيام الدهر والزهد والورع
فلما توفي شيخه ازداد اشتغاله بالعلم والعمل وحج مرة اخرى
Page 8
قال ابن العطار قال لي شيخنا القاضي أبو المفاخر محمد بن عبد القادر الأنصاري لو أدرك القشيري صاحب الرسالة شيخكم وشيخه لما قدم عليهما في ذكره لمشايخهما أحد لما جمع فيهما من العلم والعمل والزهد والورع والنطق بالحكمة وغير ذلك
تلقيه اثني عشر درسا كل يوم
قال وذكر لي الشيخ قال كنت أقرأ كل يوم اثني عشر درسا على المشايخ شرحا وتصحيحا درسين في الوسيط ودرسا في المهذب ودرسا في الجمع بين الصحيحين ودرسا في صحيح السكيت في اللغة ودرسا في التصريف ودرسا في أصول الفقه ودرسا في أسماء الرجال ودرسا في أصول الدين
قال وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل وإيضاح عبارة وضبط لغة
قال وبارك الله لي في وقتي واشتغالي وأعانني عليه
محاولة اشتغاله بعلم الطب
قال وخطر لي الاشتغال بعلم الطب فاشتريت القانون وعزمت على الاشتغال فيه فأظلم علي قلبي وبقيت أياما لا أقدر على الاشتغال بشيء ففكرت في أمري ومن أين دخل علي الداخل فألهمني الله تعالى ان سببه اشتغالي بالطب فبعت في الحال الكتاب المذكور وأخرجت من بيتي كل ما يتعلق بالطب فاستنار قلبي ورجع إلى حالي وعدت إلى ما كنت عليه أولا
تمثل إبليس له في هيئة شيخ صالح
قال وكنت مريضا بالمدرسة الرواحية فبينا انا في بعض الليالي في الصفة الشرقية منها ووالدي وإخوتي وجماعة من أقاربي نائمون إلى جنبي إذ نشطني الله وعافاني من الحمى فاشتاقت نفسي إلى الذكر فجعلت أسبح فبينا انا كذلك بين الجهر والإسرار إذا شيخ حسن الصورة جميل المنظر يتوضأ على حافة البركة وقت نصف الليل أو قريب منه فلما فرغ من وضوئه أتاني وقال لي
يا ولدي لا تذكر الله تعالى تشوش على والدك وإخوتك وأهلك ومن في هذه المدرسة
فقلت ياشيخ من انت
فقال انا ناصح لك ودعني اكون من كنت
Page 9
فوقع في نفسي أنه ابليس فقلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ورفعت صوتي بالتسبيح فأعرض عني ومشى إلى ناحية باب المدرسة فأنبهت والدي والجماعة على صوتي فقمت إلى باب المدرسة فوجدته مقفلا وفتشتها فلم أجد فيها أحدا غير من كان فيها فقال لي والدي يا يحيى ما خبرك فأخبرته الخبر
فجعلوا يتعجبون وقعدنا كلنا نسبح ونذكر
قال ابن العطار
شيوخه في الفقه نقلت من خط الشيخ رحمه الله أنه قرأ على القاضي أبي الفتح عمر بن التفليسي المنتخب للرازي وقطعة من المستصفى وغير ذلك
شيوخه في اللغة وعلى الشيخ فخر الدين المالكي اللمع لابن جني
وعلى أبي العباس أحمد بن سالم المصري النحوي إصلاح المنطق في اللغة بحثا وكتابا في التصريف قال وكان لي عليه درس إما في كتاب سيبويه أو غيره الشك منه
وعلى الإمام جمال الدين مالك كتابا من تصانيفه وعلق عنه أشياء كثيرة
شيوخه في الحديث وعلى أبي اسحاق إبراهيم بن عيسى المرادي صحيح مسلم شرحا ومعظم البخاري وقطعة من الجمع بين الصحيحين للحميدي
شيوخه في سائر العلوم وقرا على جماعة من أصحاب ابن الصلاح علوم الحديث له
وعلى أبي البقاء خالد بن يوسف النابلسي الكمال في أسماء الرجال للحافظ عبد الغني المقدسي وعلق عنه حواشي وضبط عنه أشياء حسنة
واخذ الفقه عن شيخه إسحاق المغربي وكان يتأدب معه كثيرا ويملأ له الإبريق ويحمله معه إلى الطهارة
وأخذ عن الكمال سلار بن الحسن الإربلي وعن الإمام عبد الرحمن بن نوح المقدسي وأبي حفص عمر بن أسعد بن أبي غالب الربعي الأربلي
Page 10
وسمع الحديث عن أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي وإسماعيل بن أبي اليسر وأبي العباس بن عبد الدائم وخالد النابلسي وعبد العزيز بن أحمد بن عبد المحسن الأنصاري والضياء بن تمام الحنفي والحافظ أبي الفضل البكري وأبي الفضل عبد الكريم بن عبدالصمد خطيب دمشق وعبد الرحمن بن سالم الأنباري وأبي زكريا يحيى بن أبي الفتح الصيرفي وإبراهيم بن علي الواسطي وغيرهم
مسموعاته ومن مسموعاته الكتب الستة والموطأ ومسانيد الشافعي وأحمد والدارمي وأبي عوانة وأبي يعلى وسنن الدارقطني والبيهقي وشرح السنة للبغوي وتفسيره والأنساب للزبيري والخطب النباتية ورسالة القشيري وعمل اليوم والليلة لابن السني وأدب السامع والراوي للخطيب وغير ذلك
وسمع منه خلق من العلماء والحفاظ والصدور والرؤساء وتخرج به خلق كثير من الفقهاء وسار علمه وفتاويه في الآفاق وانتفع الناس في سائر البلاد الإسلامية بتصانيفه وأكبوا على تحصيلها
قال ابن العطار
حرصه على عدم تضييع وقته وذكر لي انه كان لا يضيع وقتا في ليل ولا نهار الا في وظيفة من الاشتغال بالعلم حتى في ذهابه في الطريق ومجيئه يشتغل في تكرار محفوظه أو مطالعة وانه بقي على التحصيل على هذا الوجه نحو سنين
اشتغاله بالتصنيف ومجاهدة النفس ثم اشتغل بالتصنيف والاشتغال والإفادة والمناصحة للمسلمين وولاتهم مع ما هو عليه من المجاهدة لنفسه والعمل بدقائق الفقه والاجتهاد على الخروج من خلاف العلماء وإن كان بعيدا والمراقبة لأعمال القلوب وتصفيتها من الشوائب يحاسب نفسه على الخطرة بعد الخطرة
وكان محققا في علمه وفنونه مدققا في علمه وكل شؤونه حافظا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عارفا بأنواعه كلها من صحيحه وسقيمه وغريب ألفاظه ومعانيه واستنباط فقهه حافظا لمذهب الشافعي وقواعده وأصوله وفروعه ومذاهب الصحابة والتابعين واختلاف العلماء ووفاقهم واجتماعهم وإجماعهم سالكا طريق السلف
قد صرف أوقاته كلها في الخير فبعضها للتأليف وبعضها للتعليم وبعضها للصلاة وبعضها للتلاوة بالتدبر وبعضها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال الكمال الأذفوي في البدر السافر ونوزع مرة في النقل عن الوسيط فقال أتنازعوني وقد طالعته أربعمائة مرة
Page 11
قال ابن العطار وذكر لي أبو عبد الله بن أبي الفتح البعلي الحنبلي العلامة قال كنت ليلة في جامع دمشق والشيخ واقف يصلي إلى سارية في ظلمة وهو يردد قوله تعالى
﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾
مرارا بحزن وخشوع حتى حصل عندي من ذلك ما الله به عليم
وكان إذا ذكر الصالحين ذكرهم بتعظيم وتوقير واحترام وذكر مناقبهم
واخبرني الشيخ القدوة المسلك ولي الدين أبو الحسن المقيم بجامع بيت لهيا قال مرضت بالنقرس في رجلي فعادني الشيخ محيي الدين فلما جلس عندي جعل يتكلم في الصبر فكلما تكلم جعل الألم يذهب قليلا قليلا حتى زال فعرفت انه من بركته
تقشفه في عيشه وكان لا يدخل الحمام ولا يأكل في اليوم والليلة الا أكلة واحدة بعد العشاء ولا يشرب الا شربة واحدة عن السحر ولا يشرب المبرد أي الملقى فيه الثلج ولم يتزوج
قال ابن العطار وأخبرني العلامة رشيد الدين الحنفي قال عذلت الشيخ في تضييق عيشه في أكله ولباسه وجميع احواله وقلت له أخشى عليك مرضا يعطلك عن أشياء أفضل مما تقصده فقال إن فلانا صام وعبد الله حتى اخضر عظمه
قال فعرفت انه ليس له غرض في المقام في هذه الدار ولا يلتفت إلى ما نحن فيه
قال ورأيت رجلا من أصحابه قشر خيارة ليطعمه إياها فامتنع من اكلها وقال أخشى ان ترطب وتجلب النوم
قال الإذفوي في البدر السافر حكى لي قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة انه سأله عن نومه فقال إذا غلبني النوم استندت إلى الكتب لحظة وانتبه
قال وحكى لي أيضا انه كان إذا أتى إليه ليزوره يضع بعض الكتب على بعض ليوسع له موضعا يجلس فيه
قال وكان لا يجمع بين إدامين ولا يأكل اللحم الا عندما يتوجه إلى نوى
قال وحكى عنه قاضي القضاة جمال الدين الزرعي انه كان يتردد إليه وهو شاب قال فجئت اليه في يوم فوجدته يأكل خزيرة مدخنة فقال سليمان كل فلم يطب له فقام أخوه وتوجه إلى السوق وأحضر شويا وحلوى وقال له كل فلم يأكل
فقال يا اخي أهذا حرام فقال لا ولكنه طعام الجبابرة
Page 12
قال ابن العطار
ورعه وكان لا ياكل من فاكهة دمشق فسألته عن ذلك فقال دمشق كثيرة الأوقاف واملاك من هو تحت الحجر شرعا والتصرف في ذلك لا يجوز الا على وجه الغبطة والمعاملة فيها على وجه المساقاة وفيها خلاف بين العلماء ومن جوزها شرط الغبطة والناس لا يفعلونها الا على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك فكيف تطيب نفسي لأكل ذلك
ثناء الأخميني عليه قال وقال لي الشيخ العارف المحقق أبو عبد الحليم محمد الأخميني كان الشيخ محيي الدين سالكا منهاج الصحابة ولا اعلم احدا في عصرنا سالكا منهاجهم غيره
قال وكتب شيخنا أبو عبد الله محمد بن الظهير الإربلي الحنفي شيخ الأدب في وقته تصحيح التنبيه للشيخ وسألني مقابلتي معه بنسختي ليكون له عنه رواية مني فلما فرغه قال لي ما وصل ابن الصلاح إلى ما وصل اليه الشيخ من الفقه والحديث واللغة وعذوبة اللفظ والعبارة
لباسه وقال الأسنوي كان يلبس ثوبا قطنا وعمامة سختيانية وكان في لحيته شعرات بيض وعليه سكينة ووقار في حال البحث مع الفقهاء وغيره
وقال الشيخ تقي الدين السبكي ما اجتمع بعد التابعين المجموع الذي اجتمع في النووي
ذكر كرامة له ورأيت في مجموع بخط الشيخ شمس الدين العيزري الشافعي أن بواب الرواحية حكى قال خرج الشيخ في الليل فتبعته فانفتح له الباب بغير مفتاح فخرج ومشيت معه خطوات فإذا نحن بمكة فأحرم الشيخ وطاف وسعى ثم طاف إلى أثناء الليل ورجع فمشيت خلفه فإذا نحن بالرواحية
تولية مشيخة دار الحديث الأشرفية
قال الذهبي وتولى مشيخة دار الأشرفية بعد موت أبي شامة سنة خمسة وستين وفي البلد من هو اسن منه وأعلى سندا فلم يأخذ من معلومها شيئا إلى ان مات
قال ابن العطار وأقرأ بها بحثا وشرحا صحيح البخارى ومسلم وقطعة من أبي داود ورسالة القشيري وصفوة الصفوة والحجة على تارك المحجة لنصر المقدسي وغير ذلك
قال وذكر لي تلميذه أبو العباس بن فرح قال كان الشيخ محيي الدين قد صار اليه ثلاث مراتب كل مرتبة منها لو كانت لشخص لشدت إليه آباط الإبل من أقطار الأرض
Page 13