659

Al-Tafsīr waʾl-bayān li-aḥkām al-Qurʾān

التفسير والبيان لأحكام القرآن

Publisher

مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٨ هـ

Publisher Location

الرياض - المملكة العربية السعودية

واختُلِفَ في المشرِكِينَ؛ لأنَّ المرتدَّ يُقتَلُ؛ فعُمَرُ يُخاطِبُ مَن زعَمَ الإسلامَ ولم يُؤمِنْ بالحجِّ، لا مَن دخَلَ الإِسلامَ وخرَجَ منه بتركِ الحجِّ تهاوُنًا.
وإدراكُ عُذْرِ تارِكِ الحجِّ شاقٌّ؛ لأنَّه يُوكَلُ إلى الأفرادِ وأمانتِهم وديانتِهم؛ فموانعُ الحجِّ كثيرةٌ ظاهرةٌ وباطنةٌ، ومِن البواطنِ ما لا يُدرِكُهُ أحدٌ إلا صاحِبُه؛ ولهذا يُشدِّدُ الحاكمُ في أداءِ الحجِّ في الخِطاب، لا في العِقابِ.
وقد جاء القولُ بكفرِ تارِكِ الحجِّ عن ابنِ مسعودٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ عندَ اللالكائيِّ؛ ولا يصحُّ، ورُوِيَ ذلك عن نافعٍ والحكمِ وإسحاقَ، وهو روايةٌ عن أحمدَ، وقولُ ابنِ حبيبٍ مِن المالكيَّةِ.
وقولُه: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾: عَرَّفَ أحمدُ الاستطاعةَ بأنَّها الزادُ والراحلةُ مِن الموضع (١) يكونُ منه، وعَدَّ المَحْرَم للمرأةِ مِنَ السبيل، والاستطاعةُ تَختلِفُ بحسَبِ الحالِ والمكانِ؛ فالاستطاعةُ للمَكِّيِّ تختلفُ عنِ الآفَاقِيِّ، والآفاقِيُّونَ يختلِفونَ قُربًا وبُعدًا، وجامعُ الاستطاعةِ: سلامةُ البدن، والزادُ للجميع، والراحلةُ (لغيرِ المكيِّ)، ولم يَثبُتْ عن النبيِّ ﷺ في حدِّ الاستطاعةِ شيءٌ؛ لاختلافِ أحوالِ الناسِ وتبايُنِهم مَنزِلًا وحالًا، والواردُ في ذلك بين ضعيفٍ ومُرسَلٍ، وأَمْثَلُ شيءٍ في ذلك موقوفٌ صحيحٌ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، وقد بيَّنْتُ ذلك في شرحِ حديثِ جابرٍ الطويلِ في صِفَةِ حَجَّةِ النبيِّ ﷺ.
* * *

(١) "مسائل ابن منصور" (١/ ٥١٥)، و"مسائل عبد الله" (١٩٧).

2 / 660