Tafsīr Ibn ʿAṭiyya
تفسير ابن عطية
Editor
عبد السلام عبد الشافي محمد
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٢٢ هـ
Publisher Location
بيروت
إلى غير ذلك، وقال الزهري وغيره: نزلت هذه الآية بسبب كعب بن الأشرف، فإنه كان يهجو النبي ﷺ، وأصحابه ويشبب بنساء المسلمين، حتى بعث إليه رسول الله ﷺ من قتله القتلة المشهورة في السيرة، و«الأذى»: اسم جامع في معنى الضرر وهو هنا يشمل أقوالهم فيما يخص النبي ﷺ وأصحابه من سبهم وأقوالهم في جهة الله تعالى وأنبيائه، وندب الله تعالى عباده إلى الصبر والتقوى، وأخبر أنه من عزم الأمور، أي من أشدها وأحسنها، و«العزم»: إمضاء الأمر المروي المنقح، وليس ركوب الأمر دون روية عزما إلا على مقطع المشيخين من فتاك العرب كما قال:
إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه ... ونكّب عن ذكر الحوادث جانبا
وقال النقاش: العزم والحزم بمعنى واحد، الحاء مبدلة من العين.
قال القاضي: وهذا خطأ، والحزم: جودة النظر في الأمور وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه، و«العزم»:
قصد الإمضاء، والله تعالى يقول: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذا عَزَمْتَ [آل عمران: ١٥٩] فالمشاورة وما كان في معناها هو الحزم، والعرب تقول: قد أحزم لو أعزم.
وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ الآية، توبيخ لمعاصري النبي ﷺ، ثم هو مع ذلك خبر عام لهم ولغيرهم. والعامل في إِذْ فعل مقدر تقديره اذكر، وأخذ هذا الميثاق وهو على ألسنة الأنبياء أمة بعد أمة، وقال ابن عباس والسدي وابن جريج: الآية في اليهود خاصة، أخذ الله عليهم الميثاق في أمر محمد فكتموه ونبذوه، قال مسلم البطين: سأل الحجاج بن يوسف جلساءه عن تفسير هذه الآية فقام رجل إلى سعيد بن جبير فسأله فقال له: نزلت في يهود أخذ الميثاق عليهم في أمر محمد فكتموه، وروي عن ابن عباس أنه قرأ «وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتبيننه» فيجيء قوله فَنَبَذُوهُ عائدا على الناس الذين بين الأنبياء لهم، وقال قوم من المفسرين: الآية في اليهود والنصارى، وقال جمهور من العلماء: الآية عامة في كل من علمه الله علما، وعلماء هذه الأمة داخلون في هذا الميثاق، وقد قال رسول الله ﷺ من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار، وقد قال أبو هريرة: إني لأحدثكم حديثا، ولولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه ثم تلا إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ [البقرة: ١٧٤] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: «ليبيننه للناس ولا يكتمونه»، بالياء من أسفل فيهما، وقرأ الباقون وحفص وعاصم بالتاء من فوق فيهما، وكلا القراءتين متجه، والضمير في الفصلين عائد على الكتاب، وفي قراءة ابن مسعود «لتبينونه» دون النون الثقيلة، وقد لا تلزم هذه النون لام القسم، قاله سيبويه، و«النبذ»: الطرح، وقوله تعالى: وَراءَ ظُهُورِهِمْ، استعارة لما يبالغ في اطراحه، ومنه وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا [هود: ٩٢]، ومنه قول الفرزدق: [الطويل]
تميم بن مرّ لا تكوننّ حاجتي ... بظهر فلا يعبى عليّ جوابها
ومنه بالمعنى قول النبي ﷺ: لا تجعلوني كقدح الراكب. أراد ﵇، لا تجعلوا ذكري وطاعتي خلف أظهركم، وهو موضع القدح ومنه قول حسان: [الطويل] (كما نيط خلف الراكب القدح الفرد)
1 / 551