Tafsīr āyāt al-aḥkām lil-sāyis
تفسير آيات الأحكام للسايس
Editor
ناجي سويدان
Publisher
المكتبة العصرية للطباعة والنشر
Genres
•Jurisprudential Exegesis
Regions
Egypt
[المقدمة]
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي أظهر شعائر الشرع وأحكامه، فتناولت جوانب الحياة كافة، فجاءت مفصّلة لكلّ شيء وتبيانا، فأرسل رسلا وأنبياء مبيّنين وكاشفين للشريعة الربانية، فصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأخلفهم بعلماء في النهج متبعين، يسلكون فيما لم يؤثر عنهم مسلك الاجتهاد، فخصّ أولئك المستنبطين بالتوفيق، فكانت الحوادث والنوازل معهم موضع البحث والتدقيق فأصبحت متشعبة.
أمّا بعد
: فإنّ علم التفسير هو الكنز الدفين، وملجأ لكل طالب معرفة في تبيان أحكام الشريعة، وقول فصل في المتنازع فيه، وكاشف حق، ومبيّن حكم، ومظهر للّفظ رونقه وللحكم معناه.
وإنّ فن التفسير هو محض توفيق، وصاحبه ذو ذوق رفيع، إذ أنّه كلما خاض فيه ازداد معرفة وإحاطة به، وأخرج منه لطائفه، فلا يمكن لأحد أن يتناول جوانبه كافة.
ولذا فإنّ المتتبع لفن التفسير يجد بعدا في منهجية المفسرين أو طابعا مختلفا ما بين الواحد والآخر.
ثم إنّ كتب التفسير تبلورت تحت عناوين صنّفت في مناهج عدّة: منها ما هو متصف بالمأثور، ومنه باللغة وآخر بالأحكام، وآخر بالبلاغة وآخر بالتنزيل ... أي أنّه لم يحو مفسّر فنون التفسير جملة، فاتّصف المفسّر بهذا المنهج الذي سلكه أو بالمحتوى الذي ارتسم عنده، ولذلك نجد علم التفسير أنواع:
أولا: التفسير بالمأثور فهو مما لا دخل للاستنباط العقلي فيه أو الاجتهاد، ولا يمكن اعتبار التفسير بالمأثور إلا إذا استند على مصادر هي: تفسير القرآن بالقرآن، القرآن بالسنة، القرآن بمأثور الصحابي، أو التابعي، ومن أشهر المفسرين في هذا النهج: ابن جرير الطبري، وأبو الليث السمرقندي، والثعلبي، والنيسابوري، والبغوي، وابن كثير، والسيوطي.
ثانيا: التفسير بالرأي، فهو الذي يبنى على أسس النظر والاستدلال العقلي والاستنباط ومن أشهر هؤلاء في هذا النهج: الفخر الرازي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، والجلالان وأبو السعود والألوسي.
1 / 5
ثالثا: التفسير الصوفي فهو الذي ينسب لأرباب الكشف والحقيقة والمشاهدة، ومن أشهر هؤلاء في هذا النهج: التستري صاحب كتاب تفسير القرآن العظيم، والسلمي صاحب كتاب حقائق التفسير، والشيرازي صاحب كتاب عرائس البيان في حقائق القرآن، وابن عربي.
رابعا: التفسير الكلامي فهو الذي يتناول موضوعات علم الكلام في الإلهيات والنبوات ومن أشهر هؤلاء في هذا النهج: القاضي عبد الجبار صاحب كتاب تنزيه القرآن عن المطاعن، والشريف المرتضى صاحب كتاب أمالي الشريف المرتضى، والزمخشري صاحب الكشاف.
خامسا: التفسير الفقهي وهو تفسير شبه متأخر لأنّه يحمل وجهة نظر المذاهب فعلى سبيل المثال:
من الحنفية: ألف أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص كتابه أحكام القرآن.
ومن الشافعية: ما جمعه عن الإمام الشافعي أبو بكر البيهقي وأبو الحسن الطبري المعروف بالكياالهراس (٥٠٤ هـ) وكتابه أحكام القرآن.
ومن المالكية: ألف أبو بكر بن العربي كتابه أحكام القرآن وكذلك الإمام القرطبي صاحب كتاب الجامع لأحكام القرآن.
والكتاب الذي بين أيدينا «كتاب آيات الأحكام للسايس» يعتبر من المراجع المهمة في كتب الأحكام إذ حوى جلّ آيات الأحكام فتناول المؤلف من خلال الآية استعراض الأحكام فيها- هذا باختصار-.
وأمّا بالتفصيل لقد اعتمد منهجية التفسير كافة، فنجده:
- أولا: يسلك المعنى بالمأثور ويعتمد بالدرجة الأولى- وحيد عصره- ابن جرير الطبري صاحب كتاب (جامع البيان في تفسير القرآن) والذي يعتبر من أقوم التفاسير وأشهرها، وكذلك يعتمد على تفسير الإمام السيوطي صاحب كتاب الدر المنثور في التفسير بالمأثور.
- ثانيا: يسلك المعنى بالرأي ويعتمد في ذلك على الفخر الرازي صاحب كتاب مفاتيح الغيب، وكذلك على الزمخشري، والذي يغلب عند الأخير المنحى اللغوي والعقدي، وأيضا الإمام أبو السعود صاحب كتاب إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، إضافة إلى الألوسي صاحب كتاب روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني.
- ثالثا: من ناحية الأحكام فنجده يعتمد على كتاب الإمام القرطبي وعلى الإمام الجصاص إضافة إلى ابن العربي.
1 / 6
- رابعا: من الناحية الفقهية المذهبية فإنه يسرد آراء المذاهب ويصرح في كثير من الأحيان بالمراجع التي اعتمدها.
- خامسا: من الناحية العقدية فقد يتطرق للأمر إن وجد حاجة تترتب على هذا الخلاف.
وأخيرا من الناحية اللغوية فكثيرا ما يعنى بهذا الأمر ويستشهد لما يقوله من كلام العرب. وإضافة إلى أوجه القراءة.
فكان كتابا شافيا في حكمه، وعونا لأهل العلم بتنوع الآراء مع الاستدلال، يرجع إليه في موضع الحاجة.
وعملنا في الكتاب
لقد حوى الكتاب كثيرا من الآيات والأحاديث والأقوال من آراء المفسرين والفقهاء واللغويين وأوجه القراءة وسرد الحوادث وذكر الأعلام.
فتناولت فيه تخريج الآيات والأحاديث بالتفصيل، ثمّ تناولت تخريج جلّ الأقوال من المفسّرين والفقهاء وخاصة مذهب الحنفية.
ثم تناولت الحوادث بإثبات المراجع لها.
وكذلك قمت بتراجم الأعلام من فقهاء ومؤلفين وشعراء وأدباء.
ثم إني أرجو الله أن أكون موفقا بعملي هذا، كما أتوجه بالشكر الجزيل إلى كل من قدّم لي عونا في هذا العمل المتواضع، كما أتوجه بالشكر إلى دار النشر على هذا العمل البناء في خدمة الشريعة في نشر العلم وتقديم العون لطلبة العلم في مواصلة المسير في ركاب المعرفة والثقافة.
والحمد لله في الأول والآخر فإنّه خير مسؤول ومأمول.
وكتبه ناجي سويدان
1 / 7
معنى الاستعاذة
أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم أعوذ: أستجير.
الشيطان: المتمرّد من الإنس والجنّ والدواب، بدليل قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ... [الأنعام: ١١٢] وقول «١» عمر ﵁ وقد ركب برذونا «٢» فتبختر به: «لقد حملتموني على شيطان، والله لقد أنكرت نفسي» . وإنما أطلق الشيطان على المتمرّد لأنه مأخوذ من شطن، وهي بمعنى بعد، يقال: شطنت داري عن دارك أي بعدت، قال الشاعر «٣»:
نأت بسعاد عنك نوى شطون ... فبانت والفؤاد بها رهين
أي وجهة بعيدة. والمتمرّد قد بعدت أخلاقه عن الخير، ونأى عن جنسه فناسب إطلاق الشيطان عليه.
الرجيم: فعيل بمعنى مرجوم. ككحيل بمعنى مكحول، ورهين بمعنى مرهون، وهو من الرجم بمعنى الرمي، سواء أكان بقول أم حصى، والشيطان مرجوم إذ هو مرمي باللعن والسب.
المعنى: أستجير بالله من الشيطان الملعون المذموم أن يغويني ويضلّني.
(١) انظر تاريخ الإسلام للذهبي بيروت، دار الكتاب العربي، ١٩٨٧ (٢/ ٢٦٩) (عهد الخلفاء الراشدين) بلفظ: «ما كنت أظن الناس يركبون الشيطان، هاتوا جملي» .
(٢) البرذون: دابة خاصة من الخيل، الغليظ الأعضاء الجافي الخلقة وهو من الخيل غير العربية انظر تاج العروس للزبيدي (١٨/ ٥٤) .
(٣) الأعشى انظر المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي (١/ ٥٩) .
1 / 9
سوره الفاتحة
بسم الله الرّحمن الرّحيم
القول في البسملة
أجمع العلماء على أن البسملة بعض آية [٣٠] من سورة النمل، ثم اختلف القراء والعلماء فيها أهي آية من أول الفاتحة ومن أول كل سورة. أم لا؟ وسنذكر أقوال المختلفين، ومأخذ كل فريق.
كتب المصحف الإمام، وكتبت فيه البسملة في أول الفاتحة، وفي أول كل سورة عدا سورة براءة، وكتبت كذلك في مصاحف الأمصار المنقولة عنه، وتواتر كتبها في أوائل السور، مع العلم بأنهم كانوا لا يكتبون في المصحف ما ليس من القرآن، وكانوا يتشددون في ذلك، حتى إنهم منعوا من كتابة التعشير ومن أسماء السور ومن الإعجام، وما وجد من ذلك أخيرا فقد كتب بغير خط المصحف وبمداد غير المداد، حفظا للقرآن أن يتسرّب إليه ما ليس منه.
روى عبد الحميد بن جعفر، عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «الحمد لله رب العالمين سبع آيات إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم»
وحديث أبي هريرة روي مرفوعا وموقوفا، وفيه اضطراب في السند، وفي رفعه إلى رسول الله ﷺ «١» .
وأخرج ابن خزيمة في «صحيحه» عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وغيرها آية
. وفي إسناده عمر بن هارون البلخي، وفيه ضعف «٢» .
روى الترمذي وأبو داود عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم
. قال الترمذي: وليس إسناده بذلك «٣» .
وأخرج البخاري عن أنس ﵁ أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ فقال:
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى، بيروت دار الكتب العلمية ١٩٩٤ (٢/ ٦٧) .
(٢) انظر نصب الراية تخريج أحاديث الهداية للزيلعي، ط ١، بيروت، دار الكتب العلمية ١٩٩٦. كتاب الصلاة باب المواقيت (١/ ٤٢٧) تخريجا مفصلا للحديث.
(٣) رواه أبو داود في السنن (١/ ٢٩٧)، كتاب الصلاة، ٢٥- باب من لم ير الجهر حديث رقم (٧٨٣)، والترمذي في الجامع الصحيح (٢/ ١٤) حديث رقم (٢٤٥) .
1 / 11
«كانت قراءته مدا، ثم قرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) يمدّ بسم الله، ويمدّ الرحمن، ويمدّ الرحيم» «١» .
وكان ذلك يوجب أن يقول الأئمة الآخرون بمثل ما قال الشافعي، لأن ذلك هو الطريق الذي علمت به قرآنية ما بين دفتي المصحف، وأن هذه الآية من هذه السورة، وتلك من تلك.
ولكن عرض لمالك ﵀ رأي: أن أهل المدينة لا يقرؤون البسملة في صلاتهم في مسجد المدينة، وجرى العمل على ذلك في الصلاة من أيامه ﷺ إلى أيام الإمام مالك ﵁، مع قيام الدليل عنده على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، فلو كانت آية من الفاتحة لوجبت قراءتها معها في الصلاة.
وقوّى ذلك عنده عدة أحاديث يفهم منها أنها ليست آية من الفاتحة ولا من أوائل السور، وإليك بعض هذه الأحاديث:
جاء في «صحيح مسلم» عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين «٢» .
وفي «الصحيحين» عن أنس قال: صليت خلف النبي ﷺ، وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين.
ورواه مسلم بلفظ: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا آخرها «٣» .
ومن الدليل على أنها ليست آية من الفاتحة
حديث سفيان بن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى:
قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) قال الله تعالى:
أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) قال: مجدني عبدي، وقال مرة:
فوّض إليّ عبدي فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)
(١) رواه البخاري في الصحيح (٦/ ١٣٦)، ٦٦- كتاب فضائل القرآن، ٢٩- باب مد القراءة حديث رقم (٥٠٤٦) .
(٢) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٣٥٧)، ٤- كتاب الصلاة، ٤٦- باب ما يجمع صفة الصلاة حديث رقم (٢٤٠/ ٤٩٨) .
(٣) رواه البخاري في الصحيح (١/ ٢٠٣)، ١٠- كتاب الأذان، ٨٩- باب ما يقول بعد التكبير حديث رقم (٧٤٣)، ومسلم في الصحيح (١/ ٢٩٩)، ٤- كتاب الصلاة، ١٣- باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة حديث رقم (٥٢/ ٠٠٠) .
1 / 12
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) . قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» «١» .
هكذا فهم مالك ﵁ من هذه الأحاديث أنّ البسملة ليست آية من الفاتحة، واحتمل عنده أن يكون كتبها في أوائل السور امتثالا للأمر بطلبها والبدء بها في أوائل الأمور، وهي وإن تواتر كتبها في أوائل السور فلم يتواتر كونها قرآنا فيها.
وأما الحنفية: فقد رأوا أن كتبها في المصحف يدل على أنها قرآن، ولكن لا يدل على أنها بعض السورة، والأحاديث التي تدل على عدم قراءتها جهرا في الصلاة مع الفاتحة تدل على أنها ليست منها، فحكموا بأنها آية من القرآن تامة في غير سورة النمل [٣٠] أنزلت للفصل بين السور، وإلى هذا يشير
الحديث الذي أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان لا يعرف فصل السورة حتى أنزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) وأخرجه الحاكم في «المستدرك» «٢» .
وهذا المذهب قريب، لأن كتبها في المصحف، وتواتر ذلك دون نكير من أحد مع العلم بأنهم كان يجرّدون المصحف من كل ما ليس قرآنا، يدل على أنها قرآن.
والأحاديث التي تبيّن أنها ما كانت تقرأ مع الفاتحة في الصلاة جهرا تدل على أنها ليست من الفاتحة، وكذلك ما
ورد عن النبي ﷺ من قوله: «سورة من القرآن، هي ثلاثون آية شفعت لقارئها وهي: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» «٣»
، وقد أجمع القرّاء والعدّادون على أنها ثلاثون آية عدا البسملة، وكذلك سورة الكوثر اتفقوا على أنها ثلاث آيات ليست البسملة منها «٤» .
وذلك يدل على أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) ليست إحدى آيات هاتين السورتين، ولا فارق بين سورة وأخرى، فلا تكون آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور. ويؤكد أنها ليست من أوائل السور أن القرآن نزل على مناهج العرب في الكلام، والعرب كانت ترى التفنن في البلاغة، لا سيما في افتتاحاتها، فلا يظن بالقرآن أن يأتي بآية بعينها، ويجعلها أوّل كل سورة.
وقول المالكية: لم يتواتر كونها قرآنا، فليست بقرآن، غير ظاهر، لأنه ليس
(١) رواه مسلم في الصحيح (١/ ٢٩٦)، ٤- كتاب الصلاة، ١١- باب وجوب قراءة الفاتحة حديث رقم (٣٨/ ٣٩٥) .
(٢) انظر كتاب المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري في كتاب الصلاة، باب من جهر بها حديث رقم (٧٨٨) .
(٣) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٥/ ١٥١)، كتاب الفضائل، باب ما جاء في فضل سورة تبارك حديث رقم (٢٨٩١) .
(٤) لكن هذا خلاف ما رواه مسلم في الصحيح (١/ ٣٠٠)، ٤- كتاب الصلاة، ١٤- باب حجة من قال البسملة آية من أول كل سورة حديث رقم (٥٣/ ٤٠٠) .
1 / 13
بلازم أن يقال في كل آية هي قرآن ويتواتر ذلك، بل قرائن الأحوال تكفي في مثل ذلك، فإذا استدعى النبي ﷺ كاتب الوحي، وطلب منه أن يكتب في المصحف كذا، وأن يضع كذا في موضع كذا، كان ذلك دليلا على أن ما أمر بكتبه قرآن، وإن لم يصرح بأنه من القرآن، وهل البسملة إلّا كذلك «اجعلوها في أول كل سورة» .
واختلفوا في حكم قراءة البسملة في الصلاة، فذهب مالك ﵀ إلى منع قراءتها في الصلاة المكتوبة، جهرا كانت أو سرّا، لا في استفتاح أم القرآن، ولا في غيرها من السور. وأجاز قراءتها في النافلة وقال أبو حنيفة «١» ﵁: يقرؤها سرّا مع أم القرآن في كل ركعة، وروي عنه أنه يقرؤها في الأولى فقط وقال الشافعي وأحمد: يقرؤها وجوبا، في الجهر جهرا، وفي السر سرّا.
وسبب الخلاف ما قدمناه في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) أهي آية من أول الفاتحة ومن أول كل سورة أم لا؟ وشيء آخر وهو اختلاف الآثار في هذا الباب، فمن ذهب إلى أنها آية من الفاتحة، ومن كل سورة كالشافعي أوجب قراءتها مع الفاتحة، ومن ذهب إلى أنها ليست آية من الفاتحة، واعتمد الأحاديث الدالّة على عدم قراءتها في الصلاة منع من قراءتها كالإمام مالك. ومن رأى أنها ليست من فاتحة الكتاب، ولكنه صحت عنده الأحاديث التي تدل على قراءتها سرّا طلب قراءتها سرّا كأبي حنيفة ﵀. فأما الآثار التي تدل على إسقاط البسملة: فمنها
حديث ابن مغفل قال: سمعني أبي وأنا أقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) فقال: يا بني! إياك والحدث، فإني صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلم أسمع رجلا منهم يقرؤها
. قال أبو عمر ابن عبد البرّ: ابن مغفل هذا رجل مجهول «٢» . ومنها ما رواه مالك من حديث أنس أنه قال: قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فكلهم كان لا يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) إذا افتتح الصلاة «٣» .
وفي بعض الروايات: أنه قام خلف النبي ﷺ فكان لا يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) .
قال أبو عمر: إن أهل الحديث قالوا في حديث أنس هذا: إن النقل فيه مضطرب اضطرابا لا تقوم به حجة، وذلك أنه مرّة روي عنه مرفوعا إلى النبي ﷺ، ومرّة لم يرفع. ومرّة ذكر عثمان ومرة لم يذكر، ومنهم من يقول: فكانوا يقرؤون بِسْمِ اللَّهِ ... ومنهم من يقول فكانوا لا يقرؤون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)، ومنهم من يرويه بلفظ: فكانوا لا يجهرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) .
(١) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني، ط ١، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٩٩٠ (١- ٢/ ٥٢) . [.....]
(٢) رواه الترمذي في الجامع الصحيح (٢/ ١٢)، من باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم حديث رقم (٢٤٤) .
(٣) رواه الإمام مالك في الموطأ صفحة (٤٥)، باب العمل في القراءة حديث رقم (١٧٥) .
1 / 14
وأما الأحاديث المعارضة لهذا منها:
حديث نعيم بن عبد الله المجمر قال: صليت خلف أبي هريرة فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) قبل أم القرآن، وقبل السورة، وكبّر في الخفض، والرفع. وقال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ «١»
. ومنها
حديث ابن عباس أن النبي ﷺ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم «٢» .
ومنها
حديث أم سلمة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) «٣» .
شرح المفردات
الاسم: هو اللفظ الموضوع على الجوهر والعرض، وهو مشتق من السمو، وهو الرفعة، لأن التسمية تنويه بالمسمّى، فهو محذوف اللام: ك: (يد، ودم) وأصله (سمو) بدليل تصغيره على (سميّ) وجمعه على (أسماء) ومجيء فعله (سميت) .
الله: علم على واجب الوجود، وأصله الإله، حذفت الهمزة، وأدغم أحد المثلين في الآخر كقول القائل:
وترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكنّ إيّاك لا أقلي
الأصل (لكن أنا) حذفت الهمزة، وأدغم أحد المثلين في الآخر، وهو مأخوذ من أله يأله إلهة أي عبد. وقال الخليل «٤»: إنه اسم جامد لا اشتقاق له، وقال بعضهم: إنه معرّب عن السريانية أصله فيها (إلاها) بالألف، عرّب بحذف الألف، وتعويض اللام.
الرحمن: فعلان من رحم، وهو الذي وسعت رحمته كل شيء، كغضبان للممتلىء غضبا.
الرحيم: فعيل منه. وفي (الرحمن) من المبالغة ما ليس في (الرحيم)، لأن زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى، وفي (الرحمن) زيادتان، وفي (الرحيم) زيادة واحدة.
وقد وقال بعضهم: (الرحمن): المنعم بجلائل النعم، و(الرحيم) المنعم بدقائقها.
وقال بعضهم: (الرحمن): المنعم بنعم عامة تشمل المؤمنين والكافرين، و(الرحيم):
المنعم بنعم خاصة بالمؤمنين، وهذا قول في اللغة بلا دليل، وكأن الذي حملهم على
(١) انظر تفصيله في نصب الراية للزيلعي، كتاب الصلاة، باب صفة الصلاة (١/ ٤٠٠) .
(٢) سبق تخريجه صفحة ١٤.
(٣) سبق تخريجه صفحة ١٤.
(٤) هو الخليل بن أحمد الفراهيدي: من أئمة اللغة والأدب، واضع علم العروض وسيبويه تلميذه وناقل علمه توفي (١٧٠ هـ) في البصرة. انظر الأعلام للزركلي ط ٧، بيروت، دار العلم للملايين، ١٩٨٦ (٢/ ٣١٤) .
1 / 15
هذا تلك القاعدة: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. ولكن الزيادة تدل على زيادة الوصف مطلقا، فصفة الرحمن تدل على كثرة الإحسان الذي يعطيه سواء أكان جليلا أم دقيقا، وليس المعنى أن أفراد الإحسان التي يدل عليها لفظ (الرحمن) أكثر من أفراد الإحسان التي يدل عليها لفظ (الرحيم)، وقال بعضهم: إنهما مترادفان. وقد فرّق ابن القيم «١» بينهما بفرق حسن، فذكر أن الرحمن دالّ على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دالّ على تعلقها بالمرحوم، وكأنّ الأول الوصف والثاني الفعل، لذلك ورد وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣] بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] لم يجئ مطلقا رحمن بهم- أه والرحمن وصف خاصّ بالله لا يطلق على غيره بخلاف رحيم.
والجار في بِسْمِ متعلق بمحذوف يقدّر هاهنا (أقرأ) . فإن قيل: إن المتعلق هنا كون خاص وهو لا يحذف. قيل: إنه يجوز حذفه لدليل، وهو هنا حالي، إذ حينما يقرأ البسملة، ويأخذ بعد ذلك في القراءة يعلم المتعلّق، وإنه (أقرأ) . وكذا المسافر إذا حلّ أو ارتحل فقال (بسم الله) علم المتعلّق، وهو (أحل) أو (أرتحل) وكذا كل فاعل فعل يقول: (بسم الله) يضمر ما جعل التسمية مبدأ له، ويعلم السامع ذلك من دلالة الحال.
والمعنى: ومعنى أقرأ بِسْمِ اللَّهِ أقرأ مستعينا باسم الله، وهنا محل بحث، وهو أنه إذا كان الأمر على ما وصفنا، فكان ينبغي أن يقال: (بالله) لا (باسم الله)، لأن الاستعانة إنما هي بالله لا باسمه. وقد اختلف الناس في الخروج من هذا، فذهب بعضهم إلى أن لفظ (اسم) مقحم كقول الشاعر «٢»:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
أي: ثم السلام عليكما. وذهب آخرون إلى أن الاسم عين المسمّى.
وذهب ابن جرير الطبري «٣» إلى أن اسم في بِسْمِ اللَّهِ المراد به الحدث، أي بذكر الله أقرأ، وقد عمل وإن كان ليس جاريا على حروف فعله كقوله:
أكفرا بعد ردّ الموت عنّي ... وبعد عطائك المائة الرتاعا «٤»
وقال المتأخرون: الباء للمصاحبة، والغرض مصاحبة اسم الله في القراءة تبركا،
(١) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، تلميذ ابن تيمية وهو الذي هذّب كتبه ونشر علمه، وسجن معه، انظر الدر الكامنة لابن حجر (٣/ ٢٤٣) ترجمة (٣٧٠٠) .
(٢) هو لبيد بن ربيعة انظر المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي (١/ ٦٢) .
(٣) محمد بن جرير الطبري نسبة إلى طبرستان توفي في بغداد (٣١٠ هـ)، انظر شذرات الذهب لابن عماد الحنبلي، بيروت دار الفكر ١٩٩٤ (٢/ ٢٦٠) .
(٤) الرّتاع: الرعي في الخصب، انظر لسان العرب لابن منظور، ط ١، بيروت دار صادر، ١٩٥٥ (٨/ ١١٣) .
1 / 16