فمَن دَعَا النَّاسَ إِلَى الحَقِّ ليُقَوِّيَ جبهتهم، ويُكَثِّرَ عددهم، فليس بداعٍ إِلَى اللَّهِ.
ومَن دعا النَّاسَ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَجْهٌ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ إِلَى اللَّهِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَدْعُوَ الْإِنْسَانُ إِلَى اللَّهِ، وَلَيْسَ لَهُ غَرَضٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا رَجُلٌ يَقُولُ: أنا أُحِبُّ أَنْ تَقْوَى الجبهةُ التي أدعو إِلَيْهَا مِنْ أَجْلِ أَنْ نتمكن مِن الدعوة إِلَى اللَّهِ. فَهَذَا لَا حَرَجَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ الْأَوْلَى أَنْ يَقْصِدَ القَصْدَ الأول، وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣].
قَوْلُه تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِإِعَانَتِهِمْ].
هنا فَسَّر المُفَسِّر ﵀ الآيَةَ بِتَفْسِيرٍ قَدْ يَكُونُ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ، فقال: إِنَّ قَوْلَه: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ليس معناه: لَا تُشْرِكْ، فالرَّسُول ﷺ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُشْرِكَ، ولكن المعنى بإعانتهم؛ فَإِنَّ مَنْ أَعَانَ قَوْمًا، فَهُوَ مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ﴾ [المائدة: ٥١]، فكأنَّ المُفَسِّر ﵀ يقول: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَنْهَ رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ، بَلْ نَهَاهُ أَنْ يَكُونَ مُعِينًا لهمْ عَلَى شِرْكِهِمْ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يجعله منهم.
وَيَحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ، أنه نُهِيَ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَالنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ وقوعُه، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ جوازُ الوقوع شرعًا؛ فَإِنَّهُ لَوْ فُرض أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَقَعَ عادة؛ فإنه شَرْعًا لَا يُمْكِنُ.
وَعَلَى هَذَا، فقَوْلُه تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ شرعًا، وَلَكِنْ إِنْ جَازَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ، أَوِ وَقَعَ مِنْهُ؛ فإنه يُحْبِطُ عَمَلَهُ، كَمَا فِي