Tafsīr al-ʿuthaymīn: al-furqān
تفسير العثيمين: الفرقان
Publisher
مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٣٦ هـ
Publisher Location
المملكة العربية السعودية
Genres
•Theological Exegesis
Regions
•Saudi Arabia
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تقديم
إنَّ الحمدَ للَّهِ، نحمدُهُ ونَسْتعينُه ونَسْتغفرُه، ونَعوذُ باللَّهِ مِن شُرور أَنْفُسنا ومِن سيِّئات أعمالِنا، مَن يَهْده اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ له، وأَشْهَد أنْ لا إلَهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ لَه، وأَشْهَد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه اللَّهُ بالهُدَى ودِين الحَقِّ، فبلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَح الأمَّةَ، وجاهَد في اللَّه حَقَّ جِهادِه، حتَّى أتاهُ اليَقينُ، فصَلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّين، أَمَّا بَعْدُ:
فمِنَ الدُّروسِ العِلميَّة المُسجَّلَة صَوتيًّا، والَّتِي كانَ يَعقِدُها صاحِبُ الفَضِيلةِ شَيخُنا العلَّامةُ الوالِدُ محمَّدُ بنُ صالحٍ العُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في جامِعِهِ بمَدِينَةِ عُنَيْزَةَ صَباحَ كُلِّ يومٍ أَثْناءَ الإِجازاتِ الصَّيْفيَّة؛ حَلقاتٌ فِي تَفْسير القُرآن الكَرِيم كانَت بِدايتُها مِن سُورة النُّور وما بَعدَها؛ حتَّى بلَغ قَولَه تَعالَى في سُورة الزُّخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾.
وقَدِ اعتَمدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى في تَفْسيرِه لتِلْكَ السُّور كِتابًا بَيْن يَدَيِ الطُّلاب هُو (تَفْسير الجَلالَيْنِ) للعلَّامة جَلال الدِّين محمَّد بنِ أَحْمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المَحَلِّيِّ، المُتوفَّى سَنَةَ (٨٦٤ هـ) (^١)، والعلَّامة جَلال الدِّين عبد الرَّحمن بن أَبِي بَكْر بنِ محمَّد
(^١) انظر ترجمته في: الضوء اللامع (٧/ ٣٩)، حُسن المحاضرة (١/ ٤٤٣).
1 / 5
ابنِ سابِق الدِّين الخُضَيْرِيِّ السُّيُوطِيِّ، المُتوفَّى سنة (٩١١ هـ) (^١). تغمَّدهما اللَّه بواسِع رَحمته ورِضوانه، وأَسْكنهما فَسِيحَ جنَّاتِه، وجَزاهُما عَنِ الإِسْلام والمُسلِمِينَ خَيرَ الجزاءِ.
وسَعْيًا -بإِذْنِ اللَّهِ تَعالَى- لِتَعْمِيمِ النَّفْع بتِلْكَ الجُهُود المُبارَكة فِي هَذا المَيْدَان العَظِيم باشَر القِسْمُ العِلْمِيُّ بِمُؤسَّسةِ الشَّيخِ مُحمَّد بنِ صالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ واجِباتِه فِي شَرَفِ الإِعْدادِ والتَّجْهِيز للطِّباعةِ والنَّشْر لِإِخْراجِ ذَلِكَ التُّراث العِلمِي؛ إنفاذًا للقَواعِدِ والضَّوابِط والتَّوْجِيهاتِ الَّتِي قَرَّرها فَضيلةُ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى في هَذا الشَّأْنِ.
نَسْأل اللَّهَ تعالَى أنْ يَجْعلَ هَذا العَمَلَ خالصًا لِوجهِه الكَريمِ؛ نافِعًا لعِبادِه، وأنْ يَجزِيَ فَضِيلةَ شيخِنا عَنِ الإسلامِ والمسلمِينَ خَيْرَ الجَزَاء، ويُضَاعِفَ لهُ المثُوبَةَ والأَجْرَ، ويُعلِيَ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ مجُيبٌ.
وَصَلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارَك علَى عبدِه ورَسولِه، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإِمامِ المُتَّقِينَ، وسيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، نبيِّنَا محمَّدٍ، وعلَى آلِه وأَصْحابِه والتَّابعينَ لهُمْ بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.
القِسْمُ العِلْمِيُّ فِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ
٢٠ جُمَادَى الآخِرَة ١٤٣٦ هـ
* * *
(^١) انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (٣/ ٣٠١).
1 / 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
* * *
الحمدُ للَّه ربِّ العَالمِينَ، وصلَّى اللَّهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا مُحَمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحَسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. وبَعد:
تَقَدَّمَ الكَلامُ على البَسْمَلَةِ، وما أكثرَ الكَلامَ عليها في المؤلَّفات؛ لِأَنَّهَا تكون في كل مؤلَّف. والجارُّ والمجرور متعلِّق بمحذوفٍ تقديره (اقْرَأْ)، ويُقَدَّر عندَ كلِّ فِعلٍ بما يُناسِبُه، فعندَ القراءةِ تقولُ: بِاسمِ اللَّهِ أَقرَأُ، وعندَ الأكلِ تقولُ: باسمِ اللَّهِ آكُل، وعندَ الشُّرْبِ تقولُ: باسمِ اللَّهِ أَشرَبُ، وعندَ الذَّبحِ تقولُ: باسمِ اللَّهِ أَذبَحُ، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ: "فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ" (^١).
وقدَّروه فِعلًا، لا مصدرًا، يعني قالوا: (باسمِ اللَّه أَقْرَأُ) ولم يقولوا: (باسمِ اللَّهِ قِراءتي) فيقدَّر فعلًا؛ لسَبَبين:
أوَّلًا: التَّسْمِيَة على فِعْلٍ، والفعل يَقتضي التجدُّد والحُدُوث، وهَذِهِ فائدة مَعنويَّة.
ثانيًا: لأنَّ الأَصْلَ في العَمَلِ هو الفعلُ، فَهُوَ الَّذِي يَقْوَى على أنْ يعملَ محذوفًا،
(^١) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب السؤال بأسماء اللَّه تعالى والاستعاذة بها، رقم (٧٤٠٠)، ومسلم: كتاب الأضاحي، باب وقتها، رقم (١٩٦٠).
1 / 7
وحينَئذٍ هو الَّذِي يَحسُن أن يُقدَّر دونَ الِاسمِ، لِأَنَّ عَمَلَ الاسمِ فرعٌ، ليسَ أصلًا، فاسم الفاعِلِ مثلًا يَعْمَلُ عَمَلَ فِعله لِأَنَّهُ مُشَبَّهٌ به.
وقدَّروه مؤخَّرًا، يعني قالوا: يَنبغي أن تقولَ: "باسمِ اللَّهِ أَقرَأُ"، لا "أقرَأُ باسمِ اللَّهِ"، والسَبَبُ:
أولًا: التبرُّك بالبداءةِ بـ (باسمِ اللَّهِ).
ثانيًا: إفادةُ الحصْرِ، لِأَنَّ تقديمَ المعمولِ يَدُلُّ على الحَصْرِ.
وقدَّروه خاصًّا أيضًا، يعني لا تقول مثلًا عندما تُرِيد أن تتوضأ: (باسمِ اللَّهِ أَبْتَدِئُ)، وعندما تُرِيد أنْ تقرأَ (باسمِ اللَّهِ أَبْتَدِئُ)، لِأَنَّهُ أدلُّ على المقصود.
إذَن الجارُّ والمجرورُ متعلِّق بمحذوفٍ، يَكُون هَذَا المحذوف فِعلًا متأخِّرًا خاصًّا، والبَسْمَلَةُ كثيرًا ما تقع؛ فعندما تُرِيد أن تتوضأَ تقول: (بِاسمِ اللَّه) التقدير (بِاسمِ اللَّهِ أَتَوَضَّاُ)، وهذا أحسنُ من أن تقدِّر (وُضُوئي بِاسْمِ اللَّهِ) مثلًا، وأحسن من أن تقدِّر (بِاسْمِ اللَّهِ أَبْتَدِئُ) فتقدِّر الفعل الخاصَّ المتأخِّر.
أمَّا (اللَّه) فَهُوَ عَلَمٌ على الذَّات المقدَّسة، ذات اللَّه ﷾، ويَخْتَصُّ به، وأصله (الإِلَه)، لكِن لكثرة الاستعمالِ حَذَفوا الهمزةَ، مثلَما حذفوا الهمزة في (النَّاس)، وأصلها (الأُناس)، إذَن (إِلَه) فِعَالٌ بمعنى مفعولٍ، أي مَأْلُوه، ومعنى مألوه أي معبود، فهَذِهِ اللَّفظة إذَن مُشْتَقَّة وأصلها الإله، والأُلُوهِيَّة هي العِبَادَة.
وقوله: (الرَّحْمَنِ) من الأَسْماء المُخْتَصَّة باللَّه ﷾، وهو صفة مُشَبَّهة، وإنما قدَّرناه صفةً مشبهةً لِأَنَّهُ على وزنها، مثل (فَعْلَان) على وزن (غَضْبَان)، ثُمَّ إن الصِّفة المشبَّهة تفيد الثُّبُوت والاستمرار، بخلاف اسْم الفاعل، وإنما جاءت (الرَّحمن)
1 / 8
بهَذِهِ الصيغة لِسَعَةِ رحمة اللَّه ﷾، وبهذا فسَّرَه بعض العلماء بقوله: الرَّحمن ذو الرَّحمة العامَّة، والرَّحيم فَعِيل مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّحْمَة أيضًا، لَكِنَّه يُفيدُ الفعلَ، أي: إيصال الرَّحمة إلى المرحومِ، والأوَّل الرَّحمن يُفيدُ الوَصْفَ. ولهذا قالَ تعالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ حينما أراد الصِّفَة المطلَقة، وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ حينما أراد إيصال الرَّحمةِ إلى المرحومِ.
فالحاصِلُ: أنَّ الرَّحمنَ والرَّحيمَ إذا اجتمعا يُفَسَّرُ الرَّحمنُ بأنَّه دالٌّ على الصِّفة أكثر من دَلالتِه على الفعلِ، والرَّحيم دال على الفعلِ أكْثَر من دلالته على الصِّفةِ، وإنْ كانَ كلٌّ مِنْهُمَا يدُلُّ على صفةِ الرَّحمةِ، هَذَا إذا اجْتَمَعَا، أمَّا إذا افْتَرَقَا فمعناهما وَاحِدٌ.
* * *
1 / 9
الآية (١)
* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
* * *
قال المُفَسِّر (^١) ﵀: [﴿تَبَارَكَ﴾ تَعَالَى]، ففسَّر المُفَسِّر التَّبارُكَ بالتعالي. ولا شكَّ أَنَّ هَذَا التفسير فيه نوعٌ من القُصُور؛ لِأَنَّ ﴿تَبَارَكَ﴾ تدل على التعالي بل وعلى كثرة الخير وسَعَتِه ودوامه، فمعناه أَنَّهُ كثُرتْ خيراتُه وعظُمتْ واستمرَّتْ للعِبادِ.
قوله: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ هَذَا من جُملة البَرَكَة الَّتِي هي من صفةِ اللَّه ﷾ أَنَّهُ نَزَّل الفُرقان على عبدِهِ محمَّدٍ ﷺ وقوله: ﴿نَزَّلَ﴾ فَعَّل تُفِيدُ النُّزُول شيئًا فشيئًا، وهكذا القُرْآن الكريم كان يَنزِلُ على النَّبيِّ ﷺ شيئًا فشيئًا، والكُتُب السابقة كانت تَنزل جُملةً وَاحِدةً؛ لقولِهِ تَعَالَى في هَذِهِ السُّورة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، فردَّ اللَّه عليهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
وقوله: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ يفيد أَنَّ هَذَا القُرْآن كَلامُ اللَّهِ.
(^١) المقصود بـ (المفسر) هنا: محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم جلال الدين المحلي، المتوفى سنة (٨٦٤ هـ) ﵀ ترجمته في: الضوء اللامع (٧/ ٣٩)، حسن المحاضرة (١/ ٤٤٣).
1 / 11
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: ليس في هَذَا دليلٌ على أنَّهُ كَلام اللَّه، لِأَنَّ اللَّه ﷾ يقول: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، والماء الَّذِي هو المطرُ ليس صفةً من صفات اللَّه، فلا يَلْزَمُ إذا قال اللَّه: إِنَّهُ نَزَّل القُرْآن أنْ يَكُونَ القُرْآن صفةً من صفاتِهِ، لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى يُضِيفُ التنزيلَ والإنزالَ إلى ما ليسَ من صِفَتِه؟
فالجواب عن ذلك أنْ يُقالَ: إذا أضاف اللَّه تَعَالَى إنزالَ شَيْءٍ إليه فإنْ كانَ هَذَا الشَيْءُ عَيْنًا قائمًا بذاته فليس من صفات اللَّه، أو كان صفةً في عينٍ قائمةٍ بذاتها فليس من صفات اللَّه، وإن كان صفةً لا يُمْكِنُ أن تقوم بعَينِها، يعني ليس عينًا قائمًا بذاتِه ولا صفةً في عين قائمةٍ بذاتها؛ لَزِمَ أنْ يَكُونَ صفةً من صفات اللَّه، فالقُرْآنُ كَلام هل يمكن أن يَكُون الكَلام عينًا قائمةً بذاتها؟ لا يُمكِنُ، وهنا لم يُضَفْ إلى أحدٍ من النَّاس حتى نقول: إِنَّهُ صِفَة في عينٍ قائمةٍ بذاتِها، فيَلْزَم أنْ يَكُونَ مخلوقًا كالعينِ القائمةِ به. وعلى هَذَا يَتَعَيَّن أنْ يَكُونَ كَلامًا للَّهِ وصفةً من صفاتِهِ.
وكذلك في قَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَ﴾ دليلٌ على صفةِ العلوِّ للَّهِ ﷾.
وقوله: ﴿الْفُرْقَانَ﴾ هو القُرْآنُ، وُصِفَ بذلك لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بين الخير والشرِّ، وبينَ الحقِّ والباطِلِ، وبينَ أهلِ الحقِّ وأهلِ الباطِلِ، وأهل الخير وأهل الشرِّ، فَهُوَ فُرقان في كل شَيْءٍ، وكما أَنَّهُ فُرقان بذاتِهِ يُفرِّق فإنَّ مَن كان من أهلِهِ ولَازَمَه وعَمِلَ به أُوتِيَ هَذِهِ الصِّفَةَ، وصار له تفريقٌ بين الحقِّ والباطل، لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩].
قوله: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ إذا كان القُرْآن فُرقانًا بين الحقِّ والباطلِ، وبين الخيرِ والشرِّ؛ لَزِمَ من ذلك أنْ يَكُون بَيِّنًا واضحًا، ليسَ فيه إجمالٌ وليس فيه إشكالٌ، كيف يَلْزَمُ ذلكَ؟ لِأَنَّهُ لو كان فيه إجمالٌ أو اشتباه لم يَكُنْ فُرقانًا؛ لِأَنَّ ما ليسَ بِمُشْتَبِهِ
1 / 12
كيفَ يَكُونُ فُرقانًا، فالفُرْقان يَحتاج أن يَكُونَ واضحًا موضِّحًا بَيِّنًا.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: اللَّه يقول: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ وهذا يَقتضي أن يَكُون فيه اشتباهٌ؟
قُلْنَا: المرادُ بالمتشابِهِ هنا الموافِق بعضُه بعضًا، والمُشْبِه بعضُه لبعضٍ في الكمال والحُسْن، فهذا من المُتَشَابِه؛ كَقَوْلِهِ ﷾: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]، أي متوافقًا ومتشاكِلًا، هكذا القُرْآن متشابهًا، بمعنى أَنَّ بعضَه يُشْبِهُ بعضًا في الحُكْمِ ويُوافِقه ولا يُخالِفهُ، وَأَمَّا قوله ﷾: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، فقد بَيَّن اللَّه أَنَّ هَذِهِ المُحْكَمَات إليها المَرْجِع: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، وإذا كنَّ أُمَّ الكِتَاب لَزِمَ أن يُرَدَّ المتشابِه إلى المُحْكَمِ، وإذا رُدَّ المتشَابِهُ إلى المحكَم صار الجميع محكَمًا، وهَذِهِ القاعدة الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ هي الَّتِي عليها الراسِخونَ في العِلم، وهي الَّتِي يَستريحُ بها الإنْسَانُ منْ الِاحْتِمَالات؛ لِأَنَّهُ يأتينا دائمًا في القُرْآن وفي السنَّة نصوصٌ فيها احْتِمَالاتٌ تَحتمِل كذا وتَحتمل كذا، وعندنا نصوصٌ أُخْرَى واضحة صريحة ليس فيها إشكالٌ، فالواجبُ عَلينا أنْ نَحْمِلَ هَذَا المُشْتَبِهَ على المُحْكَم، أيْ على ما يُوافِقُه ولا يُخالِفُه؛ ليَكُونَ الجميعُ محُكَمًا.
مثال رَدِّ المتشابِهِ إلى المحكَم:
أولًا: مثال في الخبر: قول اللَّه ﷾: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، قد يَشْتَبِهُ على الإنْسَان أَنَّ اللَّه تَعَالَى معنا بذاته، ولَكِن عندنا نصوصٌ محكَمَةٌ تدل على عُلُوِّ اللَّه، وأن المَعِيَّة الذَّاتية الَّتِي يَكُون اللَّه تَعَالَى معنا في كل مكان هَذِهِ مستحيلة، ولهذا الَّذِين في قلوبهم زَيْغٌ اتبعوا هَذَا المتشابِهَ وتركوا المحكَم، وقالوا: إن اللَّه مَعَنا بذاتِهِ في كل مكانٍ.
1 / 13
ثانيًا: مثال في الحُكْم:
قال النَّبي ﵊: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ" (^١)، ودخل رجل يوم الجمعة وهو يخطب فجلس فقال: "أَصَلَّيْتَ؟ ". قَالَ: لَا. قَالَ: "قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ" (^٢) هَذَا مُحْكمٌ واضِحٌ بَيِّن على طلب صلاة الركعتين لكل من دخلَ المسجدَ وألَّا يجلسَ حتى يصليَ ركعتينِ، وفيه حَديث الثَّلاثَةِ الَّذِينَ جَاؤُوا والرَّسول ﵊ في أصحابِهِ، فأَحَدُهم جلسَ وأحدُهم دخلَ الحَلْقَة، والثالث انصرفَ (^٣)، وليس في الحديث ما يَدُلُّ على أنَّ أحدًا منهم صَلَّى ركعتينِ، فهذا مُشْتَبِهٌ؛ لِأَنَّهُ قد يَدُلُّ على أَنَّ تحيةَ المسجدِ ليستْ مطلوبةً، لَكِننا لا يمكن أنْ نَدَعَ الحديثَ المحكَمَ مِنْ أجْلِ هَذَا الاحْتِمَالِ، لاحْتِمَالِ أن هَؤُلَاءِ الرِّجالَ الثَّلاثَةَ صَلَّوْا والرَّسول ﷺ يَرَاهُم ولم يُنْكِرْ عليهم، ولاحْتِمَال أن يَكُونوا على غير وضوءٍ، ولاحْتِمَالاتٍ أُخرى، فلهذا لا نَدَعُ المحكَم مِنْ أجْل هَذَا المتشابِهِ، والأمثلةُ على هَذَا كثيرةٌ.
وقوله تَعَالَى: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ مُحَمَّدٍ ﷺ وهَذِهِ العُبُودية أَخَصُّ العُبُودِيَّاتِ الَّتِي يُوصَف بها النَّاس، لِأَنَّ العبودية تَنقسِم إلى ثلاثةِ أقسامٍ: عامَّة، وخاصَّة، وأخص:
(^١) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس، رقم (٤٤٤)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحية المسجد، رقم (٧١٤).
(^٢) أخرجه البخاري: كتاب الجمعة، باب من جاء والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين، رقم (٩٣١)، ومسلم: كتاب الجمعة، باب التحية والإمام يخطب، رقم (٨٧٥).
(^٣) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، رقم (٦٦)، ومسلم: كتاب السلام، باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، رقم (٢١٧٦).
1 / 14
* العامَّة: هي الَّتِي تَشمَل جميع الخَلْق، مثل قوله ﷾: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، كل الخَلْق عِبَاد اللَّه، ومنها أيضًا قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الحجر: ٤٢]، استثنَى مَنِ اتَّبَعَه من عِبادِهِ.
* الخاصَّة: مثل قوله تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
* الأخَصّ: وهي عُبُودِيَّة الرِّسَالة؛ كَقَوْلِهِ ﷾ في نوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، وقوله في مُحَمَّد ﷺ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، هَذِهِ أخص مِنَ الأُولى؛ لِأَنَّهَا عُبُودِيَّة خاصَّة بتكليفٍ خاصٍّ، وهو الرِّسَالة.
ووصفُ الإنْسَان بالعبوديَّةِ للَّه ﷾ وإضافتُه إلى اللَّهِ هل هَذَا تشريف أو إهانة؟
تشريف، ولا شك أنَّ له الفخرَ كلَّ الفخرِ بأنْ يَكُونَ عبدًا للَّه ﷾. حتى إن الإنْسَان ليحب أن يُنْسَب إلى عبودية غيره من بني الإنْسَان إذا كان يُحِبُّه، وفي هَذَا يقول الشاعر في مَعْشُوقَتِه (^١):
لَا تَدْعُني إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ... فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي
يعني: لا تقول: يا مُحَمَّدُ، يا بكرُ، يا خالدُ، يا عليُّ، لا، هناك اسْم أشرف عنده وهو أن تقول: يا عبدَ فُلانةَ؛ لِأَنَّهُ يَفْخَرُ أن يَكُونَ عبدًا لها.
(^١) البيت من السريع، وأورده صاحب لطائف الإشارات (١/ ٤٩).
1 / 15