357

تلك الحياة وهذه أثقالها

وزن الحديد بها فعاد ضئيلا

كأن المن إذن عبء نفسي كبير. ويطمئن الحق سبحانه من ينفقون أموالهم دون من ولا أذى في سبيل الله بأن لهم أجرا عند ربهم. وكلمة " الأجر " - والإيضاح من عند الرب - هي طمأنة إلى أن الأمر قد أحيل إلى موثوق بأدائه، وإلى قادر على هذا الأداء. أما الذي يمن أو يؤذي فقد أخذ أجره بالمن أو الأذى، وليس له أجر عند الله لأن الذي يمن أو يؤذي لم يتصور رب الضعيف، وإنما تصور الضعيف. والمنفق في سبيل الله حين يتصور رب الضعيف، وأن رب الضعيف هو الذي استدعاه إلى الوجود، وهو الذي أجرى عليه الضعف، فهو يؤمن أن الله هو الكفيل برزق الضعيف، وحين ينفق القوي على الضعيف فإنما يؤدي عن الله، ولذلك نجد في أقوال المقربين: " إننا نضع الصدقة في يد الله قبل أن نضعها في يد الضعيف " ولننظر إلى ما فعلته سيدتنا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد راحت تجلو الدرهم وتطيبه، فلما قيل لها: ماذا تصنعين؟ قالت: أجلو درهما وأطيبه لأني نويت أن أتصدق به. فقيل لها: أتتصدقين به مجلوا ومعطرا؟ قالت الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأني أعلم أنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد الفقير. إن الأجر يكون عند من يغليه ويعليه ويرتفع بقيمته وهو الخالق الوهاب. ولنتأمل قول الحق: { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [البقرة: 262] لماذا لم يقل الله: ولا خوف منهم؟. لأن الحق يريد أن يوضح لنا بقوله: { ولا خوف عليهم } [البقرة: 262] أن هناك عنصرا ثالثا سيتدخل.

إنه تدخل من شخص قد يظهر للإنسان المنفق أنه محب له، فيقول: ادخر للأيام القادمة، ادخر لأولادك. لمثل هذا العنصر يقول الحق: { ولا خوف عليهم } [البقرة: 262] أي إياك يا صاحب مثل هذا الرأي أن تتدخل باسم الحب، ولتوفر كلامك لأن المنفق في سبيل الله إنما يجد العطاء والحماية من الله. فلا خوف على المنفق في سبيل الله، وليس ذلك فقط، إنما يقول الحق عن المنفقين في سبيل الله دون من ولا أذى: { ولا هم يحزنون } [البقرة: 262] ومعناها أنه سوف يأتي في تصرفات الحق معهم ما يفرحهم بأنهم تصدقوا إما بسرعة الخلف عليهم، أو برضى النفس، أو برزق السلب، فآفة الناس أنهم ينظرون إلى رزق الإيجاب دائما، أي أن يقيس البشر الرزق بما يدخل له من مال، ولا يقيسون الأمر برزق السلب، ورزق السلب هو محط البركة. هب أن إنسانا راتبه خمسون جنيها، وبعد ذلك يسلب الله منه مصارف تطلب منه مائة جنيه، كأن يدخل فيجد ولده متعبا وحرارته مرتفعة، فيرزق الله قلب الرجل الاطمئنان، ويطلب من الأم أن تعد كوبا من الشاي للابن ويعطيه قرصا من الأسبرين، وتذهب الوعكة وتنتهي المسألة. ورجل آخر يدخل ويجد ولده متعبا وحرارته مرتفعة، وتستمر الحرارة لأكثر من يوم، فيقذف الله في قلبه الرعب، وتأتي الخيالات والأوهام عن المرض في ذهن الرجل، فيذهب بابنه إلى الطبيب فينفق خمسين أو مائة من الجنيهات. الرجل الأول، أبرأ الله ابنه بقرش. والثاني، أبرأ الله ابنه بجنيهات كثيرة. إن رزق الرجل الأول هو رزق السلب، فكما يرزق الله بالإيجاب، فالله يرزق بالسلب أي يسلب المصرف ويدفع البلاء. وهناك رجل دخله مائة جنيه، ويأتي له الله بمصارف تأخذ مائتين، وهناك رجل دخله خمسون جنيها فيسلب الله عنه مصارف تزيد على مائة جنيه، فأيهما الأفضل؟ إنه الرجل الذي سلب الله عنه مصارف تزيد على طاقته. إذن فعلى الناس أن تنظر إلى رزق السلب كما تنظر إلى رزق الإيجاب، وقوله الحق عن المنفقين في سبيله دون من أو أذى: { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [البقرة: 262] هذا القول دليل على أن الله سيأتي بنتيجة النفقة بدون من أو أذى بما يفرح له قلب المؤمن، إما بالبركة في الرزق وإما بسلب المصارف عنه، فيقول القلب المؤمن: إنها بركة الصدقة التي أعطيتها. إنه قد تصدق بشيء فرفع وصرف عنه الله شيئا ضارا، فيفرح بذلك القلب المؤمن. وبعد ذلك ينبهنا الحق سبحانه وتعالى إلى قضية مهمة هي: إن لم تجد أيها المؤمن بمالك فأحسن بمقالك، فإن لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بحسن الرد، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:

" اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة ".

والحق سبحانه وتعالى يحدد القضية في هذه الآية: { قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى والله غني حليم... }.

[2.263]

ما معنى { قول معروف } [البقرة: 263]؟ إننا في العادة نجد أن المعروف مقابل للمنكر، كأن الأمر الخير أمر متعارف عليه بالسجية، وكأن المتعارف عليه دائما من جنس الجمال ومن جنس الخير، أما الأمر الذي تنكره النفس فمن جنس الشر وجنس القبح. ولذلك يقول الحق: { قول معروف } [البقرة: 263] فكأن من شأن الجمال ومن شأن الحسن أن يكون معروفا، ومن شأن النقيض أن يكون منكرا، إذن فالقول المعروف هو أن ترد السائل الرد الجميل بحيث لا تمتلئ نفسه بالحفيظة عليك، وبحيث لا توبخه لأنه سألك، وإذا كان السائل قد تجهم عليك تجهم المحتاج فاغفر له ذلك، لماذا؟ لأن هناك إنسانا تلهب ظهره سياط الحاجة، ويراك أهلا لغنى أو ليسار أو جدة وسعة من المال، وقد يزيد بالقول واللسان قليلا عليك، وربما تجاوز أدب الحديث معك، فعليك أن تتحمله. وإذا كنت أنت أيها العبد تصنع المعاصي التي تغضب الله، ويحلم الحق عليك ويغفرها لك ولا يعذبك بها، فإذا ما صنع إنسان معك شيئا فكن أيضا صاحب قول معروف ومغفرة وحلم إن الحق سبحانه يقول لنا:

ألا تحبون أن يغفر الله لكم

[النور: 22]؟ إننا جميعا نحب أن يغفر الله لنا، ولذلك يجب أن نغفر لغيرنا وخصوصا للمحتاج. والحق حين يقول: { والله غني حليم } [البقرة: 263] ففي ذلك تنبيه للقادر الذي حرم الفقير، وكأنه يقول له: إنما حرمت نفسك أيها القادر من أجر الله. إنك أيها القادر حين تحرم فقيرا، فأنت المحروم لأن الله غني عنك، وهو سبحانه يقول:

Unknown page