Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
مثال آخر، أنت تلبس جلبابا، كم أخذ هذا الجلباب من غزل ونسج وخيط؟ إذن فلا تقعد، وتنتفع بحركة المتحرك في الحياة، وتقول: أنا مخلوق للعبادة فقط، فليست هذه هي العبادة، ولكن العبادة هي أن تطيع الله في كل ما أمر، وأن تنتهي عن كل ما نهى في إطار قوله تعالى:
هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..
[هود: 61] إن كل عمل يعتبر عبادة، وإلا ستكون " تنبلا " في الوجود. والإيمان الحق يقتضي منك أن تنتفع بعملك ولا تعتمد على عمل غيرك. إن الحق سبحانه وتعالى قد استخلفنا في الأرض من أجل أن نعمرها. ومن حسن العبادة أن نتقن كل عمل وبذلك لا نقيم أركان الإسلام فقط، ولكن نقيم الأركان والبنيان معا. ونكون قد أدينا مسئولية الإيمان، وطابق كل فعل من أفعالنا قولنا: " لا إله إلا الله ". ولقد عرفنا أن كلمة " الله " هي علم على واجب الوجود، وهي الاسم الذي اختاره الله لنفسه وأعلمنا به، ولله أسماء كثيرة كما روى في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأل الله بكم اسم هو له أنزله في كتابه أو علمه أحدا من خلقه - أي خصه به - أو استأثر به في علم الغيب عنده، فلا تظنن أن أسماء الله هي كلها هذه الأسماء التي نعرفها، ولكن هذه الأسماء هي التي أذن الله سبحانه وتعالى بأن نعلمها. ومن الجائز، أو من لفظ الحديث نعلم أن الله قد يعلم بعضا من خلقه أسماء له، ويستأثر لنفسه بأسماء سنعرفها يوم القيامة حين نلقاه، وحين نتكلم عن الأسماء الأخرى نجد أنها ملحوظ فيها الصفة، ولكنها صارت أسماء لأنها الصفة الغالبة، فإذا قيل: " قادر " نجد أننا نستخدم هذه الكلمة لوصف واحد من البشر، ولكن " القادر " إذا أطلق انصرف إلى القادر الأعلى وهو الله. وكذلك " السميع " ، و " البصير ". و " العليم ". إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل " المحيي " تجد " المميت " و " المعز " تجد " المذل " ، لأنها صفة يظهر أثرها في الغير، فهو مميت لغيره، ومعز لغيره، ومذل لغيره، لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو " حي " ولا نأتي بالمقابل إنما " محيي " نأتي بالمقابل وهو " المميت " ، فهذه اسمها صفة فعل.
فصفات الفعل يتصف بها وبمقابلها لأنها في الغير. لكن صفة الذات لا يتصف إلا بها. وحينما قال الحق: " الله " فهو سبحانه يريد أن يعطينا بعض تجليات الله في أسمائه، فقال: " الله لا إله إلا هو " ليحقق لنا صفة التوحيد، ويجب أن نعلم أن " إلا " هنا ليست أداة استثناء، لأنها لو كانت أداة استثناء فكأنك تنفي أن توجد آلهة ويكون الله من ضمن هذه الآلهة التي نفيتها وذلك غير صحيح وإنما المراد أنه لا آلهة أبدا غير الله فهو واحد لا شريك له، وأنه لا معبود بحق إلا هو فكلمة " إلا " ليست للاستثناء وإنما هي بمعنى غير، أي لا إله غير الله. وقد عرفنا أن هذه القضية معها دليلها، وإلا فلو كان هناك إله آخر لقال لنا: إنه موجود. لكن لا إله إلا هو سبحانه أبلغنا " الله لا إله إلا هو ". وأعجبني ما قاله الدكتور عبد الوهاب عزام - رحمة الله عليه - وكان متأثرا بالشاعر الباكستاني " إقبال " ، كان للشاعر إقبال شيء اسمه " المثاني " ، أي أن يقول بيتين من الشعر في معنى، وبيتين من الشعر في معنى، وكان يغلب على شعر إقبال الفلسفة الإسلامية والفكر الإسلامي، وقد تأثر الدكتور عبد الوهاب عزام بشعر إقبال فجعل له مثاني أيضا يناظر فيها " إقبال " ، فيقول:
إنما التوحيد إيجاب وسلب
وفيهما للنفس عزم ومضاء
وقوله: " إنما التوحيد إيجاب وسلب " هو قول متأثر بالقضية الكهربية. فيقول: إنما التوحيد إيجاب وسلب فيهما للنفس عزم ومضاء. فأنت عندما تقول " لا إله " ، ف " لا " للنفي، وعندما تكمل قولك: " إلا الله " ف " إلا " للإثبات، ويكمل الدكتور عزام قوله: لا وإلا قوة قاهرة. فهما في القلب قطبا الكهرباء كأن الكهرباء تأتي بأنك تسلب وتوجب. فالإيجاب في " إلا " والسلب في " لا ". وما دام فيه إيجاب وسلب، إذن ففيه شرارة كهرباء. { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [البقرة: 255]، و " الحي " هو أول صفة يجب أن تكون لذلك الإله، لأن القدرة بعد الحياة، والعلم بعد الحياة. فكل صفة لابد أن تأتي بعدها في الذكر وإلا فليست صفة من صفات الله أسبق من صفة ولا متقدمة عليها فكلها قديمة لا أول لها، فلو كان عدما فكيف تأتي الصفات على العدم؟.
وكلمة " حي " عندما نسمعها نقول: ما هو الحي؟. إن الفلاسفة قد احتاروا في تفسيرها. فمنهم من قال: الحي هو الذي يكون على صفة تجعله مدركا إن وجد ما يدرك. كأن الفيلسوف الذي قال ذلك: يعني بالحياة حياتنا نحن، وما دوننا كأنه ليس في إدراك. ونقول لصاحب هذا الرأي: لا، إن أردت الحياة بالمعنى الواسع الدقيق فلابد أن تقول: الحياة هي أن يكون الشيء على الصفة التي تبقى صلاحيته لمهمته، هذا هو ما يجب أن يكون عليه التعريف، ف " الحي ": هو الذي يكون على صفة تبقي له صلاحيته لمهمته، مثال ذلك النبات، ما دمت تجده ينمو، إذن ففيه حياة تبقى له صلاحية مهمته. فلو قطع لانتهت الصلاحية. ومثل الإنسان عندما يموت تنتهي صلاحيته لمهمته، والعناصر الجامدة عندما تأتي مع بعضها تتفاعل، هذا التفاعل فرع وجود الحياة، لكنها حياة مناسبة لها وليست مثل حياتنا. أنت مثلا ترى " الزلط " الناعم الأملس، تجده على مقدار واحد؟ لا، إن أشكاله مختلفة، وهذا دليل على أن هناك مراحل للحجر الواحد منها، ولو استمرت تلك الأحجار في بيئتها الطبيعية فلا شك أن هذه الكبيرة تتفتت يوما وتصير صغيرة ثم تكبر مرة أخرى، لكن الإنسان حين يستخدم هذه الحجارة ليضعها على سبيل المثال بين القضبان التي تسير عليها القطارات فهذه الأحجار تكون قد خرجت من بيئتها. ومن حكمة الله أنه لا يوجد شيء تنتهي جدواه أبدا، بل هو سبحانه يهيئ لكل شيء مهمة أخرى. إذن فكل كائن يكون على صفة تبقي له صلاحيته لمهمة، وتكون له حياة مناسبة لتلك المهمة. نحن لا نأتي بهذا الكلام من عندنا، ولكننا نأتي بهذا الكلام لأننا نقرأ القرآن بإمعان وتدبر، ونقول: ماذا يقابل الحياة في القرآن؟ إنه الهلاك بدليل أن الله قال:
ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة..
[الأنفال: 42]. إذن فالحياة مقابلة للهلاك. و " الحي " غير هالك. والهالك لا يكون حيا، ويقول تعالى في الآخرة:
Unknown page