337

[ص: 82]. أقسم الشيطان لله بعزته سبحانه عن خلقه، وكأنه قال: أنت يا رب لو كنت تحتاج عبادك فأنا لا أستطيع أن آخذهم، ولكن لأنك عزيز عليهم، إن أرادوا أن يؤمنوا آمنوا، وإن أرادوا ألا يؤمنوا لم يؤمنوا فهذا هو المدخل الذي سأدخل منه. ولذلك استثنى الشيطان بعضا من العباد لأنه لن يستطيع أن يجد لوسوسته لديهم مدخلا:

إلا عبادك منهم المخلصين

[ص: 83]. أي إن الذي يريد الله أن يستخلصه لنفسه فلن يستطيع الشيطان أن يقترب منه. إذن فإبليس ليس داخلا في معركة مع الله تعالى ، ولكنه في معركة معنا نحن. ولقد أوضح الحق ذلك حين جاء على لسان إبليس في القرآن:

قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين

[ص: 82-83]. إذن لو أراد الله أن نكون طائعين جميعا، أيستطيع واحد أن يعصي؟ لا يستطيع. ولو أرادنا مؤمنين جميعا، أيستطيع واحد أن يكفر؟ لا يستطيع. إنما شاء الله تعالى لبعض الأمور والأفعال أن يتركها لاختيارك لأنه يريد أن يعرف من الذي يأتيه طوعا وليظل العبد بين الخوف والرجاء ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:

" لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد ".

ولهذا فإن مطلوب الارتفاع الإيماني، والارتفاع اليقيني أن تحب الله لذات الله. وهو سبحانه يجري عليك من الأحداث ما يشاء، وتظل تحبه فيباهي الله بك الملائكة فتقول الملائكة: يا رب يحبك لنعمتك عليه فيقول لهم: وأسلب نعمتي ولا يزال يحبني، ويسلب الحق النعمة لكن العبد لا يزال يحب الله، فهو يحب الله ولا يحب نعمته لأنه سبحانه ذات تحب لذاتها بصرف النظر عن أنه يعطينا النعم. إذن الحق سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل يحملون منهج الله لمن يريد أن يعلن حبه لله، وأن يكون خليفة في الأرض بحق، وأن يصلح في الكون ولا يفسده.

ونعرف أن الإصلاح له مرتبتان: أن تترك الصالح بطبيعته فلا تفسده، أو أن تزيد الصالح صلاحا. فلا تأتي على عين الماء التي تتدفق للناس وتردمها، ولكنك تتركها على صلاحها إن لم تستطع أن تزيدها إصلاحا. وقد تستطيع أن تزيد عين الماء صلاحا فبدلا من أن يذهب الناس متعبين إلى العين ويحملون منها الماء، قد تصنع لهم مضخة عالية لها خزان ترفع إليه الماء وتمد " المواسير " وتوصل المياه إلى منازلهم. فأنت بذلك تزيد الأمر الصالح صلاحا، وهذه خلافة وعمارة في الوجود. فإن لم تستطع أن تزيد الصالح صلاحا فجنبنا شر إفسادك، ودع الحال كما هي عليه، واقعد كما أنت عالة في الكون. ولو أن الإنسان كان منصفا في الكون لسأل نفسه: من الذي اهتدى إلى صناعة الرغيف الذي نأكله الآن؟ وسيعرف أنه قد أخذ تجارب الناس من أول آدم حتى وصل إلى صناعة هذا الرغيف، فهناك إنسان زرع القمح، وهناك إنسان آخر هداه الله أن يطحن هذا القمح، وهو سبحانه هدى الإنسان أن يصنع منخلا ليفصل الدقيق عن النخالة، ثم هداه أن يعجن الدقيق حتى يجد له طعما أفضل. ولاشك أنه ترك مرة قطعة من العجين ثم شغل عنها بأي شاغل أو بأي سبب ثم رجع لها مرة أخرى فوجدها متخمرة، فلما خبزها خرج له العيش أفضل طعما، إنه سبحانه قدر فهدى، وإلا كيف تأتي هذه التجربة الطويلة؟ ومثال آخر: إن الإنسان حين ينظف ثوبه، لو أنه استعرض أعمال من سبقوه في هذا الموضوع منذ آدم، لعلم أن كل واحد سبقه في الوجود أعطاه مرحلة من النفعية إلى أن وصل للغسالة الكهربائية التي تغسل له بدون تعب، كل هذه الأشياء جاءت له بهدايات من الله. وقد قلت مرة: لماذا طبخت الناس " الكوسة " ولم تطبخ " الخيار "؟ إن هذا دليل على أن هناك تجارب كثيرة مرت على الإنسان حتى يميز طعم الكوسة المطبوخة عن الخيار، وكذلك طبخ الناس الملوخية ولم يطبخوا النعناع، مع أن النعناع أحسن منها، حدث ذلك لأن هناك تجارب وصلتنا بأن النعناع لا يستساغ طعمه مطبوخا. وأنت لو نظرت إلى أي شيء تستفيد به اليوم، وقدرت الأعمال التي تداولته من يوم أن وجد، ستجد أن الحق قد قدر لكل إنسان عملا ومجالا، وظل يخدمك أنت. وما دمت قد خدمت بهؤلاء الناس كلهم من أول آدم وحتى اليوم، فلا بد أن تنظر لترى ماذا ستقدم لمن يأتي من بعدك، فلا تكن كسولا في الحياة تأخذ خير غيرك كله في الوجود، وبعد ذلك لا تعطي أي شيء، بل لابد أن يكون لك عطاء، فكما أخذت من بيئتك لابد أن تعطي هذه البيئة، ولو لم يوجد هذا لما ارتقت الحياة لأن معنى ارتقاء الحياة أن إنسانا أخذ خبرة من سبقوه، وحاول أن يزيد عليها، أي أن يأخذ أكبر ثمرة بأقل مجهود.

فلو قدر الناس جهد الإنسان الذي ابتكر " العجلة " مثلا التي تسير عليها السيارة لكان عليهم أن يستغفروا الله له بمقدار ما أراحهم، فبعد أن كان الإنسان يحمل على أكتافه قصارى ما يحمل، وفر عليه من اخترع هذا أن يحمل ويتعب، وجعله يحمل أكبر كمية وينقلها بأقل مجهود. إذن لابد أن تنظر إلى النعم التي تستفيد بها الآن وترى كم مرحلة مرت بها، وهل صنعها الناس هكذا أم تعبوا وكدوا واجتهدوا منذ بدأ الوجود على الأرض، وعرف الإنسان جيلا بعد جيل كيفية تطوير تلك الأشياء، وقد يحدث خطأ في مرحلة معينة فيبدأ الإصلاح أو التحسن وهكذا. فأنت عندما تجد أن العالم قدم لك كل هذه المنتجات، لابد أن تسأل نفسك: ما الذي ستقدمه أنت لهذا العالم، وبذلك تظل الحلقة الإنسانية مرتقية ومتصلة. والحق سبحانه وتعالى يرسل الرسل ويضع المنهج: " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " ، حتى تستقيم حياة الناس على الأرض، لكن الناس غلبت عليهم الغفلة عن أمر المنهج ولذلك تظهر في الوجود فسادات بقدر الغفلة، وعندما يزداد الفساد يبعث الحق سبحانه رسولا جديدا يذكرهم بالمنهج مرة أخرى، وعندما يأتي الرسول يؤمن به بعض من الناس ويحاربون معه، وينتصر الرسول وتستقر مبادئ الله في الأرض، ثم تمر فترة وتأتي الغفلة فيحدث الخلاف، فهناك أناس يتمسكون بمنهج الله، وأناس يفرطون في هذا المنهج، ويحدث الخلاف وتقوم المعارك. ولو كان الحق سبحانه وتعالى يريد الكون بلا معارك بين حق وباطل لجعل الحق مسيطرا سيطرة تسخير. لكن الله تعالى أعطانا تمكينا، وأعطانا اختيارا لذلك نجد من ينشأ مؤمنا، ومن ينشأ كافرا، نجد الطائع، ونجد العاصي، هذا فريق، وهذا فريق. وإياك أن تفهم أن وجود الكافرين في الأرض، أو وجود العصاة في الكون دليل على أنهم غير داخلين في حوزة الله، لا. بل إن الله تعالى هو الذي أعطاهم هذا الاختيار، ولو شاء الله أن يجعل الناس أمة واحدة لما استطاع إنسان أن يخرج على مراد الله. وفي الآية التي نحن بصددها جاء الحق بأولي العزم من الرسل: سيدنا موسى عليه السلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيدنا عيسى عليه السلام وبعد ذلك يقول سبحانه: { ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شآء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد } [البقرة: 253].

إذن ما الذي جعل الناس تقتتل فيما بينها؟ إنه الاختلاف بين الناس، لقد اختلفوا فاقتتلوا. لكن ألا يمكن أن يكونوا قد اختلفوا ولم يقتتلوا؟ إن ذلك لو حدث لكان إجماعا على الفساد. والحق سبحانه لا يريد أن يحدث الإجماع على الفساد، فإن لم يسيطر الخير على أمور البشر فلا أقل من أن يظل عنصر الخير موجودا، ويأتي واحد ليجد عنصر الخير وينميه. إن الحق سبحانه لا يمحو في أزمنة الباطل معالم الخير والأفعال الحسنة، بل يستبقي - سبحانه - معالم الخير والأفعال الحسنة ليذهب إليها أي إنسان يريد الخير، وقد يكون الخير ضعيفا، ولكن الله لا يمحوه لأنه يعطي به دفعة جديدة لمؤمنين جدد يرفعون راية الحق، وإن بدأوا ضعفاء. ولذلك نجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول:

Unknown page