Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
لم يخل من أهل الحقيقة جيلا
لقد كان منهم من لم يعرض عن التكليف بالقتال لكنهم قلة، وهذا تمهيد مطلوب، حتى إذا انحسرت الجمهرة، وانفض الجميع من حولك إياك أن تقول: " إني قليل " لأن المقاييس ليست بكثرة الجمع، ولكن بنصرة الحق سبحانه وتعالى. وقد يكون عدوك كثيرا لكن ليس له رصيد من ألوهية عالية، وقد تكون في قلة من العدد، لكن لك رصيد من ألوهية عالية، وهذا ما يريد الحق أن يلفتنا إليه بقوله: { فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا } [البقرة: 246]. كلمة " إلا قليلا " جاءت لتخدم قضية، لذلك جاء في آخر القصة قوله تعالى:
كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله..
[البقرة: 249]. أي أن الغلبة تأتي بإذن الله، إذن فالشيء المرئي واحد، لكن وجهة نظر الرائين فيه تختلف على قدر رصيدهم الإيماني. أنت ترى زهرة جميلة، والرؤية قدر مشترك عند الجميع، ورآها غيرك، أعجبتك أنت وحافظت عليها وتركتها زينة لك ولغيرك، بينما رآها إنسان آخر فقطفها ولم يبال ملك من هي، وهكذا تعرف أن العمل النزوعي يختلف من شخص لآخر، فالعدو قد يكون كثيرا أمامنا ونحن قلة، وكلنا رأى العدو كثيرا ورأى نفسه قليلا، لكن المواجيد تختلف.
أنا سأحسب نفسي ومعي ربي، وغيري رآهم كثيرين وقال: لا نقدر عليهم لأنه أخرج ربه من الحساب. { فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين } [البقرة: 246] إذن فالتولي ظلم للنفس لأن الظلم في أبسط معانيه أن تنقل الحق لغير صاحبه، وأنت أخرجت من ديارك وظللت على هذا الحال، إذن فقد ظلمت نفسك، وظلمت أولادك الذين خرجوا منك، ولم تستردهم، وفوق ذلك كله ظلمت قضيتك الدينية. إذن فالجماعة الذين تولوا كانوا ظالمين لأنفسهم ولأهليهم ولمجتمعهم وللقضية العقدية. وقوله الحق: { والله عليم بالظالمين } [البقرة: 246] هو إشارة على أن الله مطلع على هؤلاء الذين تخاذلوا سرا، وأرادوا أن يقتلوا الروح المعنوية للناس وهم الذين يطلق عليهم في هذا العصر " الطابور الخامس " الذين يفتتون الروح المعنوية دون أن يراهم أحد ولكن الله يعرفهم. لقد طلب هؤلاء القوم من بني إسرائيل من نبيهم أن يبعث لهم ملكا، وكان يكفي النبي المرسل إليهم أن يختار لهم الملك ليقاتلوا تحت رايته، لكنهم يزيدون في التلكؤ واللجاجة ويريدون أن ينقلوا الأمر نقلة ليست من قضايا الدين. ويقول الحق بعد ذلك: { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا... }.
[2.247]
هم الذين طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكا. وكان يكفي - إذن - أن يختار نبيهم شخصا ويوليه الملك عليهم. لكن نبيهم أراد أن يغرس الاحترام منهم في المبعوث كملك لهم. لقد قال لهم: { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } [البقرة: 247]. والنبي القائل ذلك ينتمي إليهم، وهو منهم، وعندما طلبوا منه أن يبعث لهم ملكا كانوا يعلمون أنه مأمون على ذلك. ويتجلى أدب النبوة في التلقي، فقال: { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } [البقرة: 247]. إنه يريد أن يطمئنهم على أن مسألة اختيار طالوت كملك ليست منه لأنه بشر مثلهم، وهو يريد أن ينحي قضيته البشرية عن هذا الموضوع، فقال: { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } [البقرة: 247]. فماذا كان ردهم؟ { قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } [البقرة: 247]. وهذه بداية التلكؤ واللجاجة ونقل الأمر إلى مسألة ليست من قضايا الدين. إنهم يريدون الوجاهة والغنى. وكان يجب عليهم أن يأخذوا المسألة على أن الملك جاء لصالحهم، لأنهم هم الذين طلبوه ليقودهم في الحرب. إذن فأمر اختيار الملك كان لهم ولصالحهم، فلماذا يتصورون أن الاختيار كان ضدهم وليس لمصلحتهم؟ شيء آخر نفهمه من قولهم: { أنى يكون له الملك علينا } [البقرة: 247]، إن طالوت هذا لم يكن من الشخصيات المشار إليها فمن العادة حين يحزب الأمر في جماعة من الجماعات أن تفكر فيمن يقود، فعادة ما يكون هناك عدد من الشخصيات اللامعة التي يدور التفكير حولها، وتظن الجماعة أنه من الممكن أن يقع على واحد منهم الاختيار، وكان اختيار السماء لطالوت على عكس ما توقعت تلك الجماعة. لقد جاء طالوت من غمار القوم بدليل أنهم قالوا: { أنى يكون له الملك } [البقرة: 247] أي لم يؤت الملك من قبل. ولقد كانوا ينتمون إلى نسلين: نسل أخذ النبوة وهو نسل بنيامين، ونسل أخذ الملوكية وهو نسل لاوى بن يعقوب. فلما قال لهم: { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } [البقرة: 247]، بدأوا يبحثون عن صحيفة النسب الخاصة به فلم يجدوه منتميا لا لهذا ولا لذاك، ولذلك قالوا: { أنى يكون له الملك علينا } [البقرة: 247]. وهذا يدلنا على أن الناس حين يريدون وضعا من الأوضاع لا يريدون الرجل المناسب للموقف، ولكن يريدون الرجل المناسب لنفوسهم، بدليل قولهم: { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه } [البقرة: 247]. وهل الملك يأتي غطرسة أو كبرياء؟ وما دام طالوت رجلا من غمار الناس فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يضع قضية كل مؤمن وهي أنك حين تريد الاختيار فإياك أن يغشك حسب أو نسب أو جاه، ولكن اختر الأصلح من أهل الخبرة لا من أهل الثقة.
لقد تناسوا أن القضية التي طلبوها من نبيهم تحتاج إلى صفتين: رجل جسيم ورجل عليم، والله اختار لهم طالوت رجلا جسيما وعليما معا. وعندما نتأمل سياق الآيات فإننا نجد أن الله قال لهم في البداية: { بعث لكم } [البقرة: 247] حتى لا يحرج أحدا منهم في أن طالوت أفضل منه، ولكن عندما حدث لجاج قال لهم: { إن الله اصطفاه عليكم } [البقرة: 247] وهو بهذا القول يؤكد إنه لا يوجد فيكم من أهل البسطة والجسامة من يتمتع بصفة العلم. وكذلك لا يوجد من أهل العلم فيكم من يتمتع بالبسطة والجسامة { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم } [البقرة: 247]. وكان يجب أن يستقبلوا اصطفاء الله طالوت للملك بالقبول والرضى فما بالك وقد زاده بسطة في العلم والجسم؟ والبسطة في العلم والجسم هي المؤهلات التي تناسب المهمة التي أرادوا من أجلها ملكا لهم. ولذلك يقول الحق: { والله يؤتي ملكه من يشآء } [البقرة: 247] وكأن الحق يقول لهم: لا تظنوا أنكم أنتم الذين ترشحون لنا الملك المناسب، يكفيكم أنكم طلبتم أن أرسل لكم ملكا فاتركوني بمقاييسي اختر الملك المناسب. ويختم الحق الآية بقوله: { والله واسع عليم } [البقرة: 247] أي عنده لكل مقام مقال، ولكل موقع رجل، وهو سبحانه عليم بمن يصلح لهذه المهمة. ومن يصلح لتلك، لا عن ضيق أو قلة رجال، ولكن عن سعة وعلم. لقد استقبلوا هذا الاختيار الإلهي باللجاج، واللجاج نوع من العناد ولا ينهيه إلا الأمر المشهدي المرئي الذي يلزم بالحجة، لذلك كان لابد من مجيء معجزة. لذلك يأتي قوله الحق: { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم... }.
[2.248]
لقد أرسل الحق مع الملك طالوت آية تبرهن على أنه ملك من اختيار الله فقال لهم نبيهم: { إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت } [البقرة: 248] أي إن العلامة الدالة على ملكه هي { أن يأتيكم التابوت } [البقرة: 248] وهذا القول نستدل منه على أن التابوت كان غائبا ومفقودا، وأنه أمر معروف لديهم وهناك تلهف منهم على مجيئه. وما هو التابوت؟ إن التابوت قد ورد في القرآن في موضعين: أحدهما في الآية التي نحن بصددها الآن، والموضوع الآخر في قوله تعالى:
Unknown page