320

" أبغض الحلال إلى الله الطلاق ".

ثم يقول الحق عز وجل بعد ذلك: { ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } [البقرة: 236] أي إنك إذا طلقت المرأة قبل الدخول، ولم تفرض لها فريضة فأعطها متعة. وقال العلماء في قيمة المتعة: إنها ما يوازي نصف مهر مثيلاتها من النساء لأنه كان من المفروض أن تأخذ نصف المهر، وما دام لم يحدد لها مهر فلها مثل نصف مهر مثيلاتها من النساء. ويقول الحق: { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } [البقرة: 236] أي ينبغي أن تكون المتعة في حدود تناسب حالة الزوج فالموسع الغني: عليه أن يعطي ما يليق بعطاء الله له، والمقتر الفقير: عليه أن يعطي في حدود طاقته. وقول القرآن: { الموسع } مشتق من " أوسع " واسم الفاعل " موسع " واسم المفعول " موسع عليه " ، فأي اسم من هؤلاء يطلق على الزوج؟ إن نظرت إلى أن الزرق من الحق فهو " موسع عليه " ، وإن نظرت إلى أن الحق يطلب منك أن توسع حركة حياتك ليأتيك رزقك، وعلى قدر توسيعها يكون اتساع الله لك، فهو " موسع ". إذن فالموسع: هو الذي أوسع على نفسه بتوسيع حركة أسبابه في الحياة. والإقتار هو الإقلال، وعلى قدر السعة وعلى قدر الإقتار تكون المتعة. والحق سبحانه وتعالى حينما يطلب حكما تكليفيا لا يقصد إنفاذ الحكم على المطلوب منه فحسب، ولكنه يوزع المسئولية في الحق الإيماني العام فقوله: { ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } [البقرة: 236] يعني إذا وجد من لا يفعل حكم الله فلا بد أن تتكاتفوا على إنفاذ أمر الله في أن يمتع كل واحد طلق زوجته قبل أن يدخل بها. والجمع في الأمر وهو قوله: " ومتعوهن " دليل على تكاتف الأمة في إنفاذ حكم الله. وبعد ذلك قال: { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم... }.

[2.237]

أي ما دام لم يدخل بها ولم يتمتع بها فلا تأخذ المهر كله، إنما يكون لها النصف من المهر. ولنعلم أن هناك فرقا بين أن يوجد الحكم بقانون العدل، وبين أن ينظر في الحكم ناحية الفضل، وأحكي هذه الواقعة لنتعلم منها: ذهب اثنان إلى رجل ليحكم بينهما فقالا: احكم بيننا بالعدل. قال: أتحبون أن أحكم بينكما بالعدل؟ أم بما هو خير من العدل؟ فقالا: وهل يوجد خير من العدل؟ قال: نعم. الفضل. إن العدل يعطي كل ذي حق حقه، ولكن الفضل يجعل صاحب الحق يتنازل عن حقه أو عن بعض حقه. إذن فالتشريع حين يضع موازين العدل لا يريد أن يحرم النبع الإيماني من أريحية الفضل فهو يعطيك العدل، ولكنه سبحانه يقول بعد ذلك: { ولا تنسوا الفضل بينكم } [البقرة: 237] فالعدل وحده قد يكون شاقا وتبقى البغضاء في النفوس، ولكن عملية الفضل تنهي المشاحة والمخاصمة والبغضاء. والمشاحة إنما تأتي عندما أظن أني صاحب الحق، وأنت تظن أنك صاحب الحق، ومن الجائز أن تأتي ظروف تزين لي فهمي، وتأتي لك ظروف تزين لك فهمك، فحين نتمسك بقضية العدل لن نصل إلى مبلغ التراضي في النفوس البشرية. ولكن إذا جئنا للفضل تراضينا وانتهينا. والحق سبحانه وتعالى يقول: { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } [البقرة: 237] أي من قبل أن تدخلوا بهن { وقد فرضتم لهن فريضة } [البقرة: 237] يعني سميتم المهر { فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون } [البقرة: 237] والمقصود ب " يعفون " هو الزوجة المطلقة . إن بعض الجهلة يقولون والعياذ بالله: إن القرآن فيه لحن. وظنوا أن الصحيح في اللغة أن يأتي القول: إلا أن يعفوا بدلا من " إلا أن يعفون ". وهذا اللون من الجهل لا يفرق بين " واو الفعل " و " واو الجمع " إنها هنا " واو الفعل " فقول الحق: " إلا أن يعفون " مأخوذة من الفعل " عفا " و " يعفو ". وهكذا نفهم أن للزوجة أن تعفو عن نصف مهرها وتتنازل عنه لزوجها. ويتابع الحق: { أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح } [البقرة: 237] والمقصود به الزوج وليس الولي، لأن سياق الآية يفهم منه أن المقصود به هو الزوج، مع أن بعض المفسرين قالوا: إنه ولي الزوجة. ولنا أن نعرف أن الولي ليس له أن يعفو في مسألة مهر المرأة لأن المهر من حق الزوجة، فهو أصل مال، وأصل رزق في حياة الناس لأنه نظير التمتع بالبضع. ولذلك تجد بعض الناس لا يصنعون شيئا بصداق المرأة، ويدخرونه لها بحيث إذا مرض واحد اشترت له من هذا الصداق ولو قرص اسبرين مثلا لأنه علاج من رزق حلال، فقد يجعل الله فيه الشفاء.

فالمرأة تحتفظ بصداقها الحلال لمثل هذه المناسبات لتصنع به شيئا يجعل الله فيه خيرا، لأنه من رزق حلال لا غش فيه ولا تدليس. وأرد المفسرين الذين نادوا بأن ولي الزوجة هو الذي يعفو وأقول: لماذا يأتي الله بحكم تتنازل فيه المرأة عن حقها وأن تعفو عن النصف، والرجل لا يكون أريحيا ليعفو عن النصف؟ لماذا تجعل السماء الغرم كله على المرأة؟ هل من المنطقي أن تعفو النساء أو يعفو الذي بيده عقد النكاح يعني أولياء الزوجة، فنجعل العفو يأتي من الزوجة ومن أوليائها أي من جهة واحدة؟ إن علينا أن نحسن الفهم لسياق الفضل الذي قال الله فيه: { ولا تنسوا الفضل بينكم } [البقرة: 237]، إن التقابل في العفو يكون بين الاثنين، بين الرجل والمرأة، ونفهم منه المقصود بقوله تعالى: { أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح } [البقرة: 237] أنه هو الزوج، فكما أن للمرأة أن تعفو عن النصف المستحق لها فللزوج أن يعفو أيضا عن النصف المستحق له. ويقول الحق: { وأن تعفوا أقرب للتقوى } [البقرة: 237] لأن من الجائز جدا أن يظن أحد الطرفين أنه مظلوم، وإن أخذ النصف الذي يستحقه. لكن إذا لم يأخذ شيئا فذلك أقرب للتقوى وأسلم للنفوس. ولنا أن نتذكر دائما في مثل هذه المواقف قول الحق: { ولا تنسوا الفضل بينكم } [البقرة: 237] فحتى في مقام الخلاف الذي يؤدي إلى أن يفترق رجل عن امرأة لم يدخل بها يقول الله: { ولا تنسوا الفضل بينكم } [البقرة: 237] أي لا تجعلوها خصومة وثأرا وأحقادا، واعلموا أن الحق سبحانه يجعل من بعض الأشياء أسبابا مقدورة لمقدور لم نعلمه. وهذه المسألة تجعل الإنسان لا يعتقد أن أسبابه هي الفاعلة وحدها. ومثال ذلك: قد نجد رجلا قد أعجب بواحدة رآها فتزوجها، أو واحدة أخرى رآها شاب ولم تعجبه، ثم جاء لها واحد آخر فأعجب بها، معنى ذلك أن الله عز وجل كتب لها القبول ساعة رأت الشاب أهلا لها ورآها هي أهلا له. ولذلك كان الفلاحون قديما يقولون: لا تحزن عندما يأتي واحد ليخطب ابنتك ولا تعجبه لأنه مكتوب على جبهة كل فتاة: أيها الرجال عفوا - بكسر العين وتشديد الفاء - عن نساء الرجال فهي ليست له، ولذلك فليس هذا الرجل من نصيبها. وعلينا ألا نهمل أسباب القدر في هذه الأمور لأن هذا أدعى أن نحفظ النفس البشرية من الأحقاد والضغائن. ويختم الحق الآية بقوله: { إن الله بما تعملون بصير } [البقرة: 237] إنه سبحانه يعلم ما في الصدور وما وراء كل سلوك. وبعد ذلك تأتي آية لتثبت قضية إيمانية، هذه القضية الإيمانية هي أن تكاليف الإسلام كلها تكاليف مجتمعة، فلا تستطيع أن تفصل تكليفا عن تكليف، فلا تقل: " هذا فرض تعبدي " و " هذا مبدأ مصلحي " و " هذا أمر جنائي " ، لا. إن كل قضية مأمور بها من الحق هي قضية إيمانية تكون مع غيرها منهجا متكاملا. فبعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى عن الطلاق يقول: { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى... }.

[2.238-239]

ثم يعود إلى الأسرة وإلى المتوفى عنها زوجها فيقول :

والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم

[البقرة: 240]. إذن فالحق سبحانه وتعالى فصل بآية: { حافظوا على الصلوات.. } [البقرة: 238] بين قضية واحدة هي قضية الفراق بين الزوجين وقسمها قسمين، وأدخل بينهما الحديث عن الصلاة، وذلك لينبهنا إلى وحدة التكاليف الإيمانية، ونظرا لأن الحق يتكلم هنا عن أشياء كل مظاهرها إما شقاق اختياري بالطلاق، وإما افتراق قدري بالوفاة، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يدخل الإنسان في العملية التعبدية التي تصله بالله الذي شرع الطلاق والصلاة وقدر الوفاة. ولماذا اختار الله الصلاة دون سائر العبادات لتقطع سياق الكلام عن تشريع الطلاق والفراق؟ لأن الصلاة هي التي تهب المؤمنين الاطمئنان، إن كانت أمور الزواج والطلاق حزبتهم وأهمتهم في شقاق الاختيار في الطلاقات التي وقعت أو عناء الافتراق بالوفاة. ولن يربط على قلوبهم إلا أن يقوموا لربهم ليؤدوا الصلاة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من يفعل ذلك، كان إذا ما حزبه أمر قام إلى الصلاة. إن المؤمن يذهب إلى الخالق الذي أجرى له أسباب الزواج والطلاق والفراق ليسأله أن يخفف عنه الهم والحزن. وما دام المؤمن قد اختار الذهاب إلى من يجري الأقدار فله أن يعرف أن الله الذي أجرى تلك الأقدار عليه لم يتركها بلا أحكام، بل وضع لكل أمر حكما مناسبا، وما على المؤمن إلا أن يأخذ الأمور القدرية برضا ثم يذهب إلى الله قانتا وخاشعا ومصليا. لأن المسألة مسألة الطلاق أو الوفاة فيها فزع وفراق اختيار أو فراق الموت القدري. ويأتي قوله تعالى: { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } [البقرة: 238] فنفهم أن المقصود في الآية هي الصلوات الخمس، فما المقصود بالصلاة الوسطى؟ ساعة يأتي خاص وعام مثل قوله تعالى:

رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا

Unknown page