Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
إن خديجة رضوان الله عليها تستنبط أن من فيه هذه الخصال إنما هو مهيأ للرسالة.
لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم
[التوبة: 128]. أي محب لكم يشق عليه ويتعبه ما يشق عليكم ويتعبكم ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم مشغولا بأمته. ويروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أمتي. أمتي. أمتي ". والحق سبحانه وتعالى يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشغول بأمته.
" عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني.. } الآية. وقال عيسى عليه السلام: { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى. فقال الله عز وجل: " يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك. فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك " ".
إننا عندما نتأمل دقة الجواب النبوي نعرف أن الرسول الكريم مشغول بأمته، ولكنه ينظر إلى نفسه على أنه أخ لكل مؤمن. والأخ قد يتغير على أخيه لذلك لم يشأ الرسول الكريم أن يخرج أمر المسلمين من يد الله ورحمته وهو الخالق الكريم إلى أمره هو صلى الله عليه وسلم. إن الرسول يعرف أن الله أرحم بخلقه من أي إنسان، حتى الرسول نفسه. نقول ذلك في معرض حديثنا عن العنت الذي يمكن أن يصاحب الإنسان إن لم يرع حق الله في مال اليتيم لأن الله عزيز حكيم، وهو الحق الذي يغلب ولا يغلبه أحد. ونرى في قول الحق: { إن الله عزيز حكيم } [البقرة: 220] أن صفة العزة متآزرة بصفة الحكمة. وبعد ذلك يدخل معنا الحق سبحانه وتعالى في مسألة جديدة لو نظرنا إليها لوجدناها أساس أي حركة في الحياة وفي المجتمع، إنها مسألة الزواج. ويريد سبحانه أن يضمن الاستقرار والسعادة للكائن الذين كرمه وجعله خليفة في الأرض، وجعل كل الأجناس مسخرة لخدمته. إن الحق يريد أن يصدر ذلك الكائن عن ينبوع منهجي واحد لأن الأهواء المتضاربة هي التي تفسد حركة الحياة، فأراد أن يصدر المجموع الإنساني كله عن ينبوع عقدي واحد، وأراد أن يحمي ذلك الينبوع من أن يتعثر بتعدد النزعات والأهواء، لذلك ينبهنا الحق إلى هذا الموقف. إنه سبحانه يريد سلامة الوعاء الذي سيوجد ذلك الإنسان، من بعد الزواج، فبالزواج ينجب الإنسان وتستمر الحياة بالتكاثر. ولذلك لابد من الدقة في اختيار الينبوع الذي يأتي منه النسل. فهو سبحانه يقول: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم... }.
[2.221]
إن الحق يقول: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [البقرة: 221]، وهذه أول لبنة في بناء الأسرة وبناء المجتمع، لأنها لو لم تكن مؤمنة، فماذا سوف يحدث؟ إنها ستشرف على تربية الطفل الوليد إشرافا يتناسب مع إشراكها، وأنت مهمتك كأب ومرب لن تتأتى إلا بعد مدة طويلة تكون فيها المسائل قد غرست في الوليد، فإياك أن يكون الرجل مؤمنا والمرأة مشركة لأن هذا يخل بنظام الأسرة فعمل الأم مع الوليد يؤثر في أوليات تكوينه إنه يؤثر في قيمه، وتكوين أخلاقه. وهذا أمر يبدأ من لحظة أن يرى ويعي، والطفل يقضي سنواته الأولى في حضن أمه، وبعد ذلك يكبر فيكون في حضن أبيه، فإذا كانت الأم مشركة والأب مؤمنا فإن الإيمان لن يلحقه إلا بعد أن يكون الشرك قد أخذ منه وتمكن وتسلط عليه. ونعرف أن الطفولة في الإنسان هي أطول أعمار الطفولة في الكائنات كلها، فهناك طفولة تمكث ساعتين اثنتين مثل طفولة الذباب، وهناك طفولة أخرى تستغرق شهرا، وأطول طفولة إنما تكون في الإنسان لأن هذه الطفولة مناسبة للمهمة التي سيقوم بها الإنسان، كل الطفولات التي قبلها طفولات لها مهمة سهلة جدا، إنما الإنسان هو الذي ستأتي منه القيم، لهذا كانت طفولته طويلة إنها تستمر حتى فترة بلوغ الحلم. والحق هو القائل:
وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم
[النور: 59]. فكأن الطفل يظل طفلا إلى أن يبلغ الحلم، فكم سنة إذن ستمر على الطفل؟. وكم سنة سوف يتغذى هذا الطفل من ينابيع الشرك إن كانت أمه مشركة؟ إنها فترة طويلة لا يمكن له من بعد ذلك أن يكون مؤمنا غير مضطرب الملكات. وإن صلح مثل هذا الإنسان أن يكون مؤمنا فسيقوم إيمانه على القهر والقسر والولاية للأب، وسيكون مثل هذا الإيمان عملية شكلية وليست مرتكزة ولا معتمدة على أساس صادق. ونحن نعرف أن الثمرات التي ننعم نحن بأكلها لا يكون نضجها إلا حين تنضج البذرة التي تتكون منها شجرة جديدة، وقبل ذلك تكون مجرد فاكهة فجة وليس لها طعم. وقد أراد الحق أن ينبهنا إلى هذا الأمر ليحرص الإنسان على أن يستبقي الثمرة إلى أن تنضج ويصير لها بذور. إن المرأة لا تكون ثمرة طيبة إلا إذا أنجبت مثلها ولدا صالحا نافعا، يريد الحق للنشء أن يكون غير مضطرب الإيمان لذلك يقول: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [البقرة: 221] أي إياكم أن تنخدعوا بالمعايير الهابطة النازلة، وعلى كل منكم أن يأخذ حكم الله: { ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم } [البقرة: 221] لأن إعجاب الإنسان بالمرأة بصرف النظر عن الإيمان سيكون إعجابا قصير العمر.
إن عمر الاستمتاع بالجمال الحسي للمرأة إن جمعنا لحظاته فلن يزيد مجموعه عن شهر من مجموع سنوات الزواج. فكل أسبوع يتم لقاء قد يستغرق دقائق وبعدها يذبل الجمال، وتبقى القيم هي المتحكمة، ونحن نجد المرأة حين تتزوج، ثم يبطئ الحمل فإنها تعاني من القلق وكذلك أهلها. إن الرجل إن كان قد تزوجها للوسامة والقسامة والقوام والعينين، فهذا كله سيبرد ويهدأ بعد فترة، ثم توجد مقاييس أخرى لاستبقاء الحياة، وعندما يلتفت إليها الإنسان ولا يجدها فهو يغرق في الندم لأنها لم تكن في باله وقت أن اختار. لذلك تريد المرأة أن تمكن لنفسها بأن يكون عندها ولد لتربط الرجل بها، وحتى يقول المجتمع: " عليك أن تتحملها من أجل الأولاد "! فالرجل بعد الزواج يريد قيما أخرى غير القيم الحسية التي كانت ناشئة أولا، لذلك يحذرنا الله قائلا: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [البقرة: 221]. وجاء قوله { حتى يؤمن } [البقرة: 221] لأن الإسلام يجب ما قبله ما دامت قد آمنت فقد انتهت المسألة. وانظروا إلى دقة قوله سبحانه: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة } [البقرة: 221] أي إن الأمة المسلمة خير من حرة مشركة، { ولو أعجبتكم } [البقرة: 221] لقد جاء قول الحق هنا بمقاييس الإعجاب الحسي. ليلفتنا إلى أننا لا يصح أن نهمل مقاييس خالدة ونأخذ مقاييس بائدة وزائلة. ثم يقول الحق: { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } [البقرة: 221] وهذا هو النظير في الخطاب وهو ليس متقابلا فهو لم يخاطب المؤمنات ألا ينكحن المشركين، إنما قال: { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } [البقرة: 221] وتلك دقة في الأداء هنا لأن الرجل له الولاية في أن ينكح، فيأمره بقوله: لا تنكح، لكن المرأة ليس لها ولاية أن تنكح نفسها. فنحن نعرف القاعدة الشرعية التي تقول: " لا نكاح إلا بولي " ، وهو لم يوجه حديثه للنساء لأن المرأة تتحكم فيها عاطفتها لكن وليها ينظر للأمر من مجموعة زوايا أخرى تحكم الموقف. صحيح أننا نستأذن الفتاة البكر كي نضمن أن عاطفتها ليست مصدودة عن هذا الزواج، لكن الأب أو ولي الأمر الرجل يقيس المسائل بمقاييس أخرى، فلو تركنا للفتاة مقياسها لتهدم الزواج بمجرد هدوء العاطفة، وساعة تأتي المقاييس العقلية الأخرى فلن تجد ذلك الزواج مناسبا لها فتفشل الحياة الزوجية.. لذلك يطالبنا الإسلام أن نستشير المرأة، كي لا نأتيها بواحد تكرهه، ولكن الذي يزوجها إلى ذلك الرجل هو وليها لأن له المقاييس العقلية والاجتماعية والخلقية التي قد لا تنظر إليها الفتاة فقد يبهرها في الشاب قوامه وحسن شكله وجاذبية حديثه، لكن عندما تدخل المسألة في حركة الحياة ودوامتها قد تجده إنسانا غير جدير بها.
Unknown page