Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
[البقرة: 204-205]. وليت هذا الصنف حين يتنبه إلى ذلك يرتدع ويرجع، لا، إنه إذا قيل له من ناصح محب مشفق: " اتق الله " أخذته العزة بالإثم!!. والصنف الآخر في المجتمع هو من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، ويتمثل ذلك في أنه إما أن يبيع نفسه في القتال فيكون شهيدا، وإما أن يستبقيها استبقاء يكون فيه الخير لمنهج الله. فقال سبحانه:
ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله والله رؤوف بالعباد
[البقرة: 207]. ثم تكلم الحق عن الدخول في السلم كافة، والدخول في السلم أي الإسلام يطلب منا أن ندخل جميعا في كل أنواع السلم في الحياة، سلم مع نفسك فلا تتعارض ملكاتك، فلا تقول قولا يناقض قلبك، وسلم مع المجتمع الذي تعيش فيه، وسلم مع الكون الذي يخدمك جمادا ونباتا وحيوانا، وسلم مع أمتك التي تعيش فيها، فقال سبحانه:
يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين
[البقرة: 208]. كل ذلك يدلنا على أن الحق حين خلق الخلق، وضع لهم المنهج الذي يضمن لهم السلامة والأمن في كل أطوار هذه الحياة، فإن رأيت خللا أو اضطرابا في الكون، أو رأيت خوفا أو قلقا فاعلم أن منهجا من مناهج الإسلام قد عطل. والحق سبحانه وتعالى حينما يأمرنا أن ندخل في السلم كافة فهو سبحانه يحذرنا أننا إن زللنا من المنهج فإن الله عزيز حكيم فلا يغلبه أحد، ولا يقدر عليه أحد، فهو القادر القوي الذي يجري كل شيء بحكمة، فلا تظنوا أنكم بذلك تسيئون إلى الله بالزلل عن منهجه، وإنما تسيئون إلى أنفسكم وإلى أبناء جنسكم لأن الله لا يغلب. وينبهنا الحق سبحانه تنبيها آخر، إنه يلفتنا إلى أننا لا نملك أمر الساعة، فالساعة تأتي بغته ومفاجئة، صاخة طامة، مرجفة مزلزلة. فاحذروا أن تصيبكم هذه الرجفة وأنتم في غفلة عنها. وكل ذلك لندخل أيضا في السلام في اليوم الآخر، وكأن الحق سبحانه يلفتنا إلى أن كلمات القرآن ليست مجرد كلمات نظرية، ولكنها كلمات الحكيم الخبير التي حكمت تاريخ الأمم التي سبقت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم. فكم من آيات أرسلها الحق إلى بني إسرائيل فتلكأوا وكان منهم ما كان، وشقوا هم، وشقي بهم المجتمع، إذن فالكلام ليس كلاما نظريا. ويريد الله لنا أن ننظر بعمق إلى أمور الحياة، وألا ننظر إلى سطحيات الأمور، فيجب ألا تخدعنا زينة الحياة الدنيا عن الحياة الآخرة لأن الحياة الدنيا أمدها قصير، وعلينا أن نقيس عمر الدنيا بأعمارنا منها، وأعمارنا فيها قصيرة لأن منا من يموت كبيرا ومنا من يموت صغيرا. ويبين لنا الحق سبحانه أنه لم يترك خلقه هملا، وإنما أرسل لهم رسلا يبينون لهم منهج الله، فكان الناس أمة واحدة مجتمعة على الحق إلى أن تحركت الأهواء في نفوسهم، ومع ذلك رحمهم الله فلم يسلمهم إلى الأهواء، بل استمر موكب الرسالات في البشر، وكلما غلبتهم الأهواء وطم الفساد، أرسل الحق برحمته رسولا لينبه إلى أن جاء الرسول الخاتم الذي ميزه الله بخلود منهجه، وجعل القيم في أمته. وصارت الأمة المحمدية هي حاملة أمانة حراسة المنهج الذي يصون حركة الحياة في الأرض لأن الحق سبحانه لم يأمن أمة سواها، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء. ثم نبهنا الله من بعد ذلك إلى أن نهاية الإنسان إلى نعيم الله في الجنة لن يأتي سهلا ميسورا، بل هو طريق محفوف بالمكارة، فيجب أن تنبهوا أنفسكم وتروضوها وتدربوها على تحمل هذه المكاره، وتوطنوها على تحملها لتلك المشاق. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ".
ويمتن الحق من بعد ذلك على خلقه أنه أهدى للإنسان الخليفة في الأرض عقلا يفكر به، وطاقة تنفذ تخطيط العقل، وكونا ماديا أمامه يتفاعل معه في الحركة: فالعقل يخطط، والطاقة تنفذ في المادة المخلوقة المسخرة لله. إذن فكل أدوات الحركة موجودة لله، وليس لك أيها الإنسان أن تخلق شيئا فيها إلا أن توجه طاقات مخلوقة للعمل في مادة مخلوقة ، فأنت لا توجد شيئا. وبعد ذلك يطلب الحق منك أيها المسلم أن تحافظ على حركة الحياة، بأن تقدر للعاجز عن هذه الحركة نصيبا من حركتك لذلك فعليك أن تتحرك في الحياة حركة تسعك، وتسع من تعول، وتسع العاجز عن الحركة. وبذلك تؤمن السماء كل عاجز عن الحركة بحرية المتحركين من إخوانه المؤمنين، وهو سبحانه يطمئنك بأنك إذا فعلت ذلك وأمنت العاجز، فهو - جل وعلا - يؤمنك حين يطرأ عليك العجز. لقد جعل الله سبحانه حالة الحياة دولا بين الناس، فلا يوجد قوم قادرون دائما ولا قوم عاجزون دائما، بل يجعل الحق من القادرين بالأمس عاجزين اليوم ومن العاجزين بالأمس قادرين اليوم حتى تتوزع الحركة في الوجود. وحتى يعلم كل منا أن الله يطلب منك حين تقدر ليعطيك حين تعجز. لذلك طلب منا أن ننفق، والنفقة على الغير لا تتأتى إلا بعد استيفاء الإنسان ضروريات حياته، فكأن الحق يقول لك: إن عليك أن تتحرك في الحياة حركة تسعك وتسع أن تنفق على من تعول، وإلا لو تحركت حركة على قدرك فقد لا تجد ما تنفقه. وبعد ذلك يكلفنا سبحانه بأن كل مؤمن عليه أن يأخذ مسئولية الإنفاق على الدوائر القريبة منه ليتحمل كل موجود في الحياة مسئولية قطاع من المجتمع مربوط به رباطا نسبيا كالوالدين والأقربين. وأن نجعل الضعفاء من الأيتام مشاعا على المجتمع مطلوبين من الجميع. سواء كانت تربطهم بنا قرابة أو لا تربطنا بهم قرابة، فهم جميعا أقاربنا لأن الله كلفنا بأن نرعاهم. ولكن هل يمكن أن يستقر منهج الله دون أن يعاديه أحد؟ طبعا لا لذلك ينبهنا الحق إلى أننا سنجد أقواما لا يسعدهم أن يطبق منهج الله في الوجود لأنهم لا يعيشون إلا على مظالم الناس، هؤلاء قوم سيسوؤهم أن يطبق منهج الله، فلتنتبهوا لهؤلاء ولذلك فرض الحق سبحانه القتال حتى نمنع الفتنة بالكفر من الأرض لأن الكفر يعدد الآلهة في الكون وسيتبع كل إنسان الهوى، ويصبح إلهه هواه وستتعدد الآلهة بتعدد الأهواء، ولذلك كتب الله على المؤمنين القتال وقال:
وهو كره لكم
[البقرة: 216]، كل ذلك ليضمن لنا الغاية التي يريدها، وهي الدخول في السلم والسلام والإسلام كافة. وبعد ذلك يطلب منا أن نجاهد بأموالنا وأنفسنا وأن نهجر أوطاننا وأهلنا إن احتاجت إلى ذلك الحركة الإيمانية فقال:
إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم
Unknown page