298

ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين

[المائدة: 5]. وإذا قارنا بين الآيتين نجد أن الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد ورد فيها قوله: { فيمت وهو كافر } [البقرة: 217] وفي سورة المائدة لم يرد هذا وإنما ورد قوله:

ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله

[المائدة: 5] وقد اختلف العلماء في المسألة اختلافات جميلة. ولكنهم اتفقوا أولا على أن أي إنسان يرتد عن الإسلام ثم يموت مرتدا فقد حبطت أعماله. ولكن اختلافهم تركز فيما لو رجع وآمن مرة ثانية، أي لم يمت وهو كافر، بل رجع فآمن بعد ردته، فهل حبط عمله أم لم يحبط؟. وللإمام الشافعي رأي يقول: إن الذي يرتد عن الدين تحبط أعماله إن مات على الكفر، أما إن عاد وأسلم مرة أخرى فإن أعماله التي كانت قبل الارتداد تكون محسوبة له. والإمام أبو حنيفة له رأي مختلف فهو يقول: لا، إن آية سورة المائدة ليس فيها { فيمت وهو كافر } [البقرة: 217] وعليه فإننا نحملها على آية سورة البقرة التي ذكر فيها ذلك من باب حمل المطلق على المقيد، وعلى ذلك فالذي يكفر بعد إيمانه عمله محبط سواء رجع إلى الإيمان بعد ذلك أو لم يرجع، فلا يحتسب له عمل. أين موضوع الخلاف إذن؟. هي أن إنسانا آمن وأدى فريضة الحج ثم لا قدر الله كفر وارتد، ثم رجع فآمن أتظل له الحجة التي قام بها قبل الكفر أن تحبط ويطلب منه حج جديد؟ هذه هي نقطة الخلاف. فالشافعي يرى أنه لا يحبط عمله ما دام قد رجع إلى الإيمان لأن الله قال: { فيمت وهو كافر } [البقرة: 217] فمعنى ذلك أنه إن لم يمت على الكفر فإن عمله لا يحبط. ولكن لا يأخذ ثوابا على ذلك الحج الذي سبق له أن أداه، لقد التفت الإمام الشافعي رضي الله عنه إلى شيء قد يغفل عنه كثر من الناس، وهو أن الحج ركن من أركان الإسلام، فالذي لا يحج وهو قادر على الحج فالله يعاقبه على تقصيره، والذي حج لا يعاقب ويأخذ ثواب فعله.

فكأن الأعمال التي طلبها الحق سبحانه وتعالى إن لم تفعلها وكانت في استطاعتك عوقبت، وإن فعلتها يمر عملك بمرحلتين، المرحلة الأولى هي ألا تعاقب، والمرحلة الثانية هي أن تثاب على الفعل. فالشافعي قال: إن الشخص إذا فعل فعلا يثاب عليه الإنسان، ثم يكفر، ثم عاد إلى الإسلام فهو لا يعاقب، ولكنه لا يثاب. أما الإمام أبو حنيفة فقد قال: إنه لا عبرة بعمله الذي سبق الردة مصداقا لقوله تعالى: { حبطت أعمالهم } [البقرة: 217] أي بطلت وزالت، وكأنها لم تكن. إن القرآن استخدم هنا كلمة " حبط " ، وهي تستخدم تعبيرا عن الأمر المحسوس، فقال: " حبطت الماشية " أي أصابها مرض اسمه الحباط، لأنها تأكل لونا من الطعام تنتفخ به، وعندما تنتفخ فقد تموت. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

" إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم ".

إنه صلى الله عليه وسلم يحذرنا من أن الخير قد يندس فيه شر، مثلما يحدث في الربيع الذي ينبت فيه من النبات الذي يعجب الماشية فتأكله فيأتيها مرض " الحباط " ، فتنتفخ ثم تموت، أو " يلم " أي توشك أن تموت، وكذلك الأعمال التي فعلها الكفار تصبح ظاهرة مثل انتفاخ البطن، وكل هذه العمليات الباطلة ستحبط كما تحبط الماشية التي أكلت هذا اللون من الخضر، ثم انتفخت فيظن المشاهد لها أنها سمنة وبعد ذلك يفاجأ بأنه مرض. لقد أعطانا الله من هذا القول المعنى المحسوس لتشابه الصورتين فالماشية عندما تحبط تبدو وكأنها نمت وسمنت، لكنه نمو غير طبيعي إنه ليس شحما أو لحما، لكنه ورم، كذلك عمل الذين كفروا عمل حابط، وإن بدا أنهم قد قاموا بأعمال ضخمة في ظاهرها أنها طيبة وحسنة. ويقول بعض الناس: وهل يعقل أن الكفار الذين صنعوا إنجازات قد استفادت منها البشرية، هل المعقول أن تصير أعمالهم إلى هذا المصير؟. لقد اكتشفوا علاجا لأمراض مستعصية وخففوا آلام الناس، وصنعوا الآلات المريحة والنافعة. ونقول لأصحاب مثل هذا الرأي: مهلا، فهناك قضية يجب أن نتفق عليها وهي أن الذي يعمل عملا فهو يطلب الأجر ممن عمل له، فهل كان هؤلاء يعملون وفي بالهم الله أم في بالهم الإنسان والمجد والشهرة؟ لقد أعطتهم الإنسانية والمجد والشهرة، وما داموا قد نالوا هذا الأجر في الدنيا فليس لهم أن ينتظروا أجرا في الآخرة. لذلك يقول الحق:

والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب

[النور: 39]. إن الكافر يظن أن أعماله صالحة نافعة لكنها في الآخرة كالسراب الذي يراه الإنسان في الصحراء فيظنه ماء، ويجد نفسه في الآخرة أمام لحظة الحساب فيوفيه الله حسابه بالعقاب، وليس لهم من جزاء إلا النار، وينطبق عليهم ما ينطبق على كل الكافرين بالله، وهو { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }. هذا وإن الحق سبحانه وتعالى يوضح حقيقة الأمر للمؤمنين به وبرسوله صلى الله عليه وسلم حتى يعطيهم مناعة إيمانية ضد آمال الكافرين في الإضرار بالمؤمنين، فيعلمنا أنهم لن يدخروا وسعا حتى يردوكم عن دينكم لأن منهج الله دائما لا يخيف إلا المبطلين فالإنسان السوي الذي يريد أن يعايش العالم في سلام ويأخذ من الخير على قدر حركته في الوجود لا ترهقه سيادة مبادئ الإسلام، إنما ترهق مبادئ الإسلام هؤلاء الذين يريدون أن يسرقوا عرق وكد غيرهم وهم يبذلون كل الجهد ويستخدمون كافة الأساليب التي تصرف المسلمين عن دينهم، ولكن هل يمكنهم الله من ذلك؟ لا فلا يزال هناك أمل في الخير إن تمسكت أمة الإسلام بالمنهج الحق. إنه سبحانه يعطي المناعة للمؤمنين، والمناعة - كما نعرف - هي أن تنقل للسليم ميكروب المرض بعد إضعافه، وبذلك تأخذ أجهزة جسمه فرصة لأن تنتصر على هذا الميكروب لذلك قال الحق: { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم } [البقرة: 217]. إن الخلاف الجوهري بين المؤمن والكافر، هو أن المؤمن إنما يعمل العمل الصالح وفي نيته أن المكافئ هو الله، وهو يتجه بنية خالصة في كل عمل. ويأخذ بأسباب الله في العلم لينتفع به غيره من الناس فتكون الفائدة عميمة وعظيمة، وعلى المؤمن أن يكون سباقا إلى الاكتشاف والاختراع ونهضة العالم المسلم، وأن يكون المؤمن العالم منارة تشع بضوء الإيمان أمام الناس، لا أن يترك غيره من الكافرين يصلون إلى المكتشفات العلمية وهو متواكل كسلان. إن على المؤمن أن يأخذ بأسباب الله في الحياة لأن الإسلام هو دين ودنيا، وهو دين العلم والتقدم، ويضمن لمن يعمل بمنهجه سعادة الدنيا وسعادة الآخرة. وإذا كان المؤمن يستمتع بإنتاج يصنعه الكافر فليعلم أن الكافر إنما أخذ أجره مسخرا ممن عمل له، أما المؤمن فحين يتفوق في الصناعة والزراعة والعلم والاكتشاف فهو يأخذ الأجر في الدنيا وفي الآخرة لأن الذي يعطي هنا هو الله. أما عمل الكافر فهو عمل من مسخر كالمطايا وكالجماد والنبات والحيوان المسخرة لخدمة الإنسان. وإذا كان الله قد ميز المؤمن على الكافر بالأجر في الدنيا وحسن الثواب في الآخرة، ألا يليق بالمؤمن أن يسبق الكافر في تنمية المجتمع الإسلامي، وأن يكون بعمله منارة هداية لمن حوله؟! ويقول الحق من بعد ذلك: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله... }.

[2.218]

Unknown page