Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
".. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه "
وهذا هو الأفضل في صدقة التطوع، وأما الزكاة الواجبة فإعلانها أفضل، وكذلك الحال بالنسبة للصلاة فالفريضة تكون إعلانها أفضل، والنافلة يكون سرها أفضل. لكن لو عملت وفي بالك الله فستجد أثر العطاء وفي وفاء من أخذ. فإياكم أن تحاولوا ولو من طرف خفي أن يعلم الناس أنكم تفعلون الخير. وبعد ذلك يرجع الحق إلى قضية سبق أن عالجها في قوله تعالى:
ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه
[البقرة: 191] يرجع الحق إلى القتال فيتكلم عن المبدأ العام في القتال فيقول: { كتب عليكم القتال وهو كره لكم... }.
[2.216]
إن كراهية القتال هي قضية فطرية يقولها الذي خلق الإنسان فهو سبحانه لا يعالج الأمر علاجا سوفسطائيا، بمعنى أن يقول: وماذا في القتال؟ لا، إن الخالق يقول: أعلم أن القتال مكروه. وحتى إذا ما أصابك فيه ما تكره فأنت قد علمت أن الذي شرعه يقدر ذلك. ولو لم يقل الحق إن القتال كره: لفهم الناس أن الله يصور لهم الأمر العسير يسيرا. إن الله عز وجل يقول للذين آمنوا: اعلموا أنكم مقبلون على مشقات، وعلى متاعب، وعلى أن تتركوا أموالكم، وعلى أن تتركوا لذتكم وتمتعكم. ولذلك نجد كبار الساسة الذين برعوا في السياسة ونجحوا في قيادة مجتمعاتهم كانوا لا يحبون لشعوبهم أن تخوض المعارك إلا مضطرين، فإذا ما اضطروا فهم يوضحون لجندهم أنهم يدرأون بالقتال ما هو أكثر شرا من القتال، ومعنى ذلك أنهم يعبئون النفس الإنسانية حتى تواجه الموقف بجماع قواها، وبجميع ملكاتها، وكل إرادتها. والحق سبحانه وتعالى يقول: { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } [البقرة: 216] إنه سبحانه يقول لنا: أعلم أن القتال كره لكم ولكن أردت أن أشيع فيكم قضية، هذه القضية هي ألا تحكموا في القضايا الكبيرة في حدود علمكم لأن علمكم دائما ناقص، بل خذوا القضايا من خلال علمي أنا لأنني قد أشرع مكروها، ولكن يأتي منه الخير. وقد ترون حبا في شيء ويأتي منه الشر. ولذلك ينبهنا الحق إلى أن كثيرا من الأمور المحبوبة عندنا يأتي منها الشر، فيقول الواحد منا: " كنت أتوقع الخير من هذا الأمر، لكن الشر هو ما جاءني منه ". وهناك أمور أخرى نظن أن الشر يأتي منها، لكنها تأتي بالخير. ولذلك يترك الحق فلتات في المجتمع حتى يتأكد الناس أن الله سبحانه وتعالى لا يجري أمور الخير على مقتضيات ومقاييس علم العباد، إنما يجري الحكم على مقتضى ومقاييس علم رب العباد. ولننظر إلى ما رواه الحق مثلا للناس على ذلك:
وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا * فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا * فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا * قال أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا * قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا
[الكهف: 60-64]. إن موسى عليه السلام يسير مع فتاه إلى مجمع البحرين، ويقال: إنه ملتقى بحرين في جهة المشرق، وكان معهما طعام هو حوت مملوح يأكلان منه، لكن السفر والمشقة أنساهما الحوت وانطلق الحوت بآية من آيات الله إلى البحر، وعندما وصل موسى إلى مجمع البحرين طلب من فتاه أن يأتي بالطعام بعد طول التعب، لكن الفتى يقول لموسى: إنه نسي الحوت، ولم ينسه إياه إلا الشيطان.
وإن الحوت اتخذ طريقه إلى البحر، فقال موسى: إن هذا ما كنا نطلبه علامة على وصولنا إلى غايتنا وهي مجمع البحرين، أي أمر الحوت وفقده هو الذي نطلب، فإن الرجل الذي جئنا من أجله هناك في هذا المكان، وارتد موسى والغلام على آثارهما مرة أخرى. فما الذي يحدث؟ يلتقي موسى عليه السلام بالعبد الصالح الخضر، وهو ولي من أولياء الله، علمه الله العلم الرباني الذي يهبه الله لعباده المتقين كثمرة للإخلاص والتقوى. ويطلب موسى عليه السلام من العبد الرباني سيدنا الخضر عليه السلام أن يتعلم منه بعض الرشد. لكن العبد الرباني الذي وهبه الله من العلم ما يفوق استيعاب القدرة البشرية يقول لموسى عليه السلام:
قال إنك لن تستطيع معي صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا
Unknown page