270

Tafsīr al-Baghawī

تفسير البغوي

Editor

عبد الرزاق المهدي

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٠ هـ

Publisher Location

بيروت

بِمَكَّةَ، وَهِيَ: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا [النَّحْلِ: ٦٧]، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَهَا وَهِيَ لَهُمْ حَلَالٌ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِي مَسْأَلَةِ عُمْرَ وَمُعَاذِ بْنِ جبل: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَقَدَّمَ [١] فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ»، فَتَرَكَهَا قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: إِثْمٌ كَبِيرٌ، وَشَرِبَهَا أقوام لِقَوْلِهِ: وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، إِلَى أَنْ صَنَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا فَدَعَا نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَتَاهُمْ بِخَمْرٍ فَشَرِبُوا وَسَكِرُوا وَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ، فَقَدَّمُوا بَعْضَهُمْ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ فَقَرَأَ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ هَكَذَا إِلَى آخِرِ السُّورَةِ بِحَذْفِ لَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النِّسَاءِ: ٤٣]، فَحَرَّمَ السُّكْرَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَرَكَهَا قَوْمٌ وَقَالُوا: لَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ، وَتَرَكَهَا قَوْمٌ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَشَرِبُوهَا فِي غَيْرِ حِينِ الصَّلَاةِ حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يَشْرَبُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَيُصْبِحُ وَقَدْ زَالَ عَنْهُ السُّكْرُ، وَيَشْرَبُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَيَصْحُو إِذَا جَاءَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَاتَّخَذَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ صَنِيعًا وَدَعَا رِجَالًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَكَانَ قَدْ شَوَى لَهُمْ رَأْسَ بَعِيرٍ فَأَكَلُوا مِنْهُ وَشَرِبُوا الْخَمْرَ حَتَّى أَخَذَتْ مِنْهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُمُ افْتَخَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ وَانْتَسَبُوا وَتَنَاشَدُوا الْأَشْعَارَ، فَأَنْشَدَ سَعْدٌ قَصِيدَةً فِيهَا هِجَاءٌ لِلْأَنْصَارِ، وَفَخْرٌ لِقَوْمِهِ فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لحى بعير فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ سَعْدٍ فَشَجَّهُ موضحة فانطلق به سَعْدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَكَا إِلَيْهِ الْأَنْصَارِيَّ، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لنا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَحْرِيمَ الْخَمْرِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ إِلَى قَوْلِهِ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:
٩١]، وَذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ بِأَيَّامٍ، فَقَالَ عُمْرُ ﵁: انْتَهَيْنَا يَا رَبِّ.
قَالَ أَنَسٌ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ لِلْعَرَبِ عَيْشٌ أَعْجَبَ مِنْهَا، وَمَا حرم عليهم شيء أَشَدَّ مِنَ الْخَمْرِ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لمّا نزلت الآية التي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ فخرجنا بالحباب [٢] إلى الطريق فمنّا من كسر حبّه، وَمِنَّا مَنْ غَسَلَهُ بِالْمَاءِ وَالطِّينِ، وَلَقَدْ غُودِرَتْ أَزِقَّةُ الْمَدِينَةِ بَعْدَ ذلك حينا، كلما [٣] مُطِرَتِ اسْتَبَانَ فِيهَا لَوْنُ الْخَمْرِ وفاحت منها ريحها.
وعن أنس ﵁: سمّيت الخمر خَمْرًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَدَعُونَهَا فِي الدِّنَانِ [٤] حَتَّى تَخْتَمِرَ وَتَتَغَيَّرَ، وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: لِأَنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى صفا صفوها [٥] ورسب كدرها.
٢٢»
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يوسف

الثاني: أخرجه الطبري ٤١٥٤ عن الربيع قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ قَالَ: لَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إن ربكم يقدم في تحريم الخمر. قال ثم نزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إن ربكم يقدم في تحريم الخمر» . قال: ثم نزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ [المائدة: ٩٠- فحرمت الخمر عند ذلك.
وورد من وجوه أخر يأتي في سورة [النساء: ٤٣- و[المائدة: ٩٠-.
٢٢٣- إسناده على شرطهما، ابن عليّة، هو إسماعيل بن إبراهيم، وهو في صحيح البخاري ٤٦١٧ عن يعقوب بن إبراهيم بهذا الإسناد.
(١) كذا في نسخ المطبوع، وفي المخطوط «يقدم» .
(٢) الحب: الخابية- فارسي معرب. [.....]
(٣) في نسخ المطبوع «فلما» .
(٤) في المطبوع «الدندان» .
(٥) في المطبوع وحده «لونها» .

1 / 277